فهرس الكتاب
يتضح ذلك أكثر عبر تحوّل النص في تقديمه صفة الشخصيّة من (الإخبار) إلى (الحوار) لتأكيد حضورها بين الاستهلال والمتن، فإذا كانت جملتا استهلال النصين تقومان على ما يُنتقى من صفات الشخصيّة وسمات حياتها فإن ا لحوار يعتمد مواجهة (الصفة) والشعور بها عبر الشخصيات أنفسها وهي تقع تحت وطأتها وتعاني من ربقتها كراهيةً ونكرانًا، بما يتطلب توّجه النص لاستضافة بعض ما أثُر عن الشخصيّة وتطويعه لصالح واقعة صيغته كما في النص رقم (39) وهو يُعمّق أثر صفة شخصيته الرئيسة عبر الحوار الآتي:
"فلما أصبح قال لها: قد رأيت ما صنعتِ الليلة، وقد عرفتُ إن ما صنعتِ ذلك من كراهية مكاني في نفسك، فما الذي كرهت مني؟ قالت: ما كرهتك، فلم يزل بها حتى قالت: كرهت منك أنك خفيف العجزة، ثقيل الصدرة، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة.." [1] .
تَحدُّ هيمنةُ الصفة المحورية في نَصّي (امرئ القيس) من فاعلية الشخصيّة وتنّمط علاقاتها مع سواها من الشخصيات، على الرغم من تَعدُّد صيغ أمثالها، على العكس مما يشغله حضور شخصية (لقمان) من مساحة تتعدّد خلالها الصفات وتتداخل الأخبار إلى الدرجة التي يُلمس بعضُ التناقض في تقديمها سببه اختلاف الأخبار وهي تصور القوّة والحكمة مثلما تصّور الضعف والوهن، من دون أن تفصل بينها فواصل سرديّة زمانية أو مكانية يمكن أن تُشير لتغير أحوال الشخصيّة وتسوّغ التباين الحاصل بين صفاتها، بما يؤكد جانبًا من حضورها (الإشكالي) في الأدب العربي القديم، لقدمها البالغ، وتعدُّد صورها، وتناقض صفاتها أحيانًا بين المظان المختلفة: الأسطوريّة والشعبيّة والدينيّة، وقد لعبَ ذلك دورًا في تقسيم شخصية لقمان إلى مراحل تتسم في كل منها بصفات خاصة، فقد زعم ( Heller) أن شخصية لقمان مرّت بثلاث مراحل:
(1) -المفضّل الضبّي، أمثال العرب: 123.
... وينظر: د. الطاهر أحمد مكي، امرؤ القيس، حياته وشعره: 63.