فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 240

إن للمعرفة في تشكيل فضاء (ألف ليلة وليلة) وهي تتوجّه جهتي الحاضر: واقع إنتاج النص وأفق منتجه، والماضي: ما تشكّل من أطياف عصر ذهبي تمثل الذروة فيه خلافة (هارون الرشيد) ، دورًا في تنويع الفضاء وإضفاء طابع الغرابة عليه وصولًا (لاصطناع الحيز المستحيل، والحيز البعيد الذي لم يره أحد قط) [1] اللذين ينبعان من تضافر المعارف والقدرات الممكنة منها والسحريّة في خلق نماذج خاصة من الفضاء. مثلما تكشف مقارنة الفضاء ضمن نماذج النوع الواحد عن مقدار المهمة التي يضطلع بها للإسهام في التعبير عن محتوى رسالة النص الأدبي وفاعلية الإبلاغ فيه، إذ تبيّن مقارنة الفضاء بين مقامات الحريري والهمذاني تغيّر الأُطر الزمانية- المكانية، واختلاف تمثلها في كل منهما من ناحية احترام التسلسل المنطقي التي يكون نص الحريري فيها أقرب للزمان الطبيعي، على الضد مما في مقامات البديع التي تتجاوز تنقلات شخصياتها الحد المنطقي بحركتها عبر زمن يتعدى القرنين مما لا يتلاءم والنظرة الواقعية للزمن، ومن ناحية اختلاف تجليات المكان في عمل كل منهما ففي الوقت الذي تنحصر حركة بطل البديع وراويه بين المدن الواقعة ضمن حدود الدولة البويهية، تنفتح تنقلات شخوص الحريري من المدن الواقعة تحت الهيمنة السلجوقية حتى مصر الفاطمية [2] ، مما يُهيء المقام للحديث عن مسوغات تباين الفضاء في نصوص السرد العربي في مراحله المختلفة، وقدرته على التعبير عن تطلعات تلك النصوص وتغيّر أهدافها.

(1) د. عبد الملك مرتاض، ألف ليلة وليلة: 136.

(2) ينظر: مشتاق فالح، البنى الوظائفية في مقامات الحريري (رسالة دكتوراه) : ص ص 104-143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت