فهرس الكتاب
مثلما يُحقّق للمكان حضورٌ ينمُّ داخل صيغة المثل عن نمط الخبرة وهي ترتفع بتماسِّها بما حولها، موسعةً من إدراكها لمجال حياتها، لتقيم ما يمكن من الصلة بين محمول تجاربها وصيغها، خلاصات وعيها لعالمها، فالتجربة تُقدَّم في صيغة المثل بوصفها ناتجًا لفاعلية تماس الإنسان بما حوله من أُناس وموجودات، وصورةً لجدل العلاقة بين الإنسان ومحيطه، مهما اختلفت درجة التعبير عن الوقائع، أو تباين مستوى تجليّها في النصوص، في الوقت الذي تقوم الصيغ بوصفها نصوصًا صغرى تحتكم إلى أداء لساني خاص وتنطوي على قيم جُمليّة مميزة، على تأمين نوع من الصلة الدلالية مع نصوص الأمثال تتعدى دور عنوان أو مناسبة النص إلى إضاءة مجال عمل النصوص وتنظيم معانيها.
إن اشتغال النصوص بمجال الإخبار والتفسير أدى بها إلى ضرورة الارتباط بـ/ أو البناء على صيغ معيّنة فهي بمجملها تمثيل كنائي يتوسل السرد لكشف دلالة وإضاءة معنى، الأمر الذي يُلاحظ معه أحيانًا تعدد القصص بوصفها تفسيرات لصيغة واحدة، فقد يتغيّر المحمول بتغيّر كتب الأمثال وتَحوّل سياقات إنتاجها مع الثبات النسبي للحامل، كما يُلاحظ أحيانًا التغيّر النسبي للصيغ بين الكتب في زيادة أو نقصان مساحتها اللغوية، أو تغيير وجهتها النحويّة مع الحفاظ على وضوح أفقها الدلالي في كل صورة من صورها.
تواجهنا، في مرحلة دراستنا، مجموعتان من الصيغ تستفيدان على نحو مباشر من (الفضاء) في التجربة، فهما تقومان بالأساس على ناتج الخبرة والملاحظة لتحدد الإنسان المثل موقعًا في (التاريخ) يكشفه موقعه في (الصيغة) ويستند إليه، إذ تبدو الصيغةُ خلاصةً لحدث تقع في المركز منه موضوعةُ الزمان، في المجموعة الأولى، بشمولها واتساع نمط الخبرة الذي تقوم عليه، وتقوم المجموعة الثانية على ما يتجلى فيها من سمات مكانية مباشرة أو غير مباشرة تُضيء عبر فاعلية صيغها وعي إنسان المثل لعالمه، محيط علاقاته المتسع اتساع الخبرة نفسها.