فهرس الكتاب
يتشكّل المكان رابطة واضحة تجمع بين صيغ الجدول وتوحِّد توجّهاتها في النظر إلى محيط تجاربها، فلا تكتفي هذه الصيغ بالتعامل مع الحدود الجغرافية لأماكن وقوع أحداثها، بل تمتد إلى تأكيد جوهرية إسهامها فيها وإضاءة جدلية العلاقة بين الأماكن والأفعال التي أولتها الصيغ من العناية ما حقق لها تنوعًا ملحوظًا، فلا ينبثق المكان من ملاحظة تولّدها لحظة زمنية عابرة بقدر ما يقدم من الصلة مع صيغ الأمثال في مراقبتها لمحيط تجاربها ما يؤكد وجوده عنصرًا فاعلًا من عناصرها، مشيرًا إلى مستوى الوعي القائم على الملاحظة والتأمل الذي تُسهم صياغةُ المثل بتجسده وبيان أهميته، وإذا كان الأدب على مختلف وجوه إبداعه قد أولى المكان عنايةً بيّنةً فإن صيغ الأمثال تشكّل أنموذجًا خاصًا من التعامل الأدبي مع المكان نظرًا لانبثاقها عن نمط المعرفة القائمة بالدرجة الأساس على ملاحظة العالم، عالم لغة المثل ومحيط تجسدها بما فيه من ثوابت ومتغيّرات، والمكان بلا شك واحد من العناصر التي يتخلّق وعي الإنسان وتتشكّل تجاربه عبر تماسه معها، فهو بذلك ليس وعاءً مجردًا لوقوع الحدث، أو حيزًا للحياة فحسب، بل صورةٌ مهمةٌ من صور وجودها، وهو يمثل في صيغ الأمثال ملمحًا لحضوره في السرد العربي القديم لتجسده عن علاقة إلفة واعتياد تمكّنه من تشكيل وجه قريب من وجوه الحياة في الأدب، مثلما يشكّل صورةَ الخبرة وبيان حضورها لما انطوى عليه من سمات وعي خاص، قائم على التجربة، تنظمه الصيغ وترتفع به، بتعيينه مرةً وترك التعيين أخرى؛ إن أبرز ما يصادفنا من أساليب احتضان المكان داخل صيغ الأمثال هو اعتماد الأماكن (المُتَعيّنة) والمثل من هذا الجانب يُعدّ وجهًا من وجوه الذاكرة التي نقع فيها على ما اندرس من أماكن أو تجارب أو ممارسات، مما يُهيء لاستعادته نمطًا حياتيًا يقوم بالأساس على التشبيه بتجارب مستمرة، فالضفير، وشبيث والأحص، وبقة، ووادي عوف، وأماكن أخرى تُستحضر