فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 240

إن اعتماد غير المُتعيّن في صيغ الأمثال يُهيئ الصيغ للانتقال في تماسها من المكان أو المحيط بسعتهما وشمولهما إلى (الوسط) بارتباطه بالموضوع، وافتراضيته، ونظام عناصره الذي يُسهم الزمان بإنتاجه. إن المكان يتشكّل عبر مجموع مكوناته التي تستثمر الصيغ خصائصها معلنةً رصيد أناسها من الخبرة والملاحظة، وقدرتهم على إعادة إنتاجها في صيغ مؤثرة، كما في الصيغة الأولى (أبقى من حجر) التي يتواشج كلٌ من الزمان والمكان في فتح أفق دلالتها، إن البقاء والخلود يخترقان المكان لانتقاء علامته وتأمين رمزيته، وهو ما تُنجزه بإيجاز بالغ صيغة (أفعل) التي تسعى إلى تعيين أنموذجها عبر عزله عما سواه، لتمتلئ الصحراء بحكمة الحجر التي لا تعبأ بالزمان، مشيرةً إلى مستوى من التلازم الفاعل بين كل من الزمان والمكان في إنتاج الصيغ وتنظيم مجالات دلالتها، فلم يكن الشعور بالظاهرة ليتجزأ إلى مجموعة من الملاحظات يمكن معها الفصل بين صيغ الزمان وصيغ المكان، فإن صيغةً مثل (أبقى من حجر) تعتمد مثل هذا الترابط الزمكاني المبني على وعي التحوّل والثبات، ففي الوقت الذي تتغير فيه الأشياءُ بفعل الزمان يبقى الحجرُ بإشارته الواضحة ودلالته المكانية صورةً للوجود الذي تبدو الحوادثُ عنه وهو ملموم.

إن الشعور بالمكان (المُتَعيّن منه وغير المُتَعيّن) ينتظم تحت منظور زمني تفصح عنه الصيغ وتؤمِّن حركة علامتها بما يُشير إلى نوع من القياس القائم على الربط بين المكان والزمان، وهو ما يُضيء أفق الصيغة ويجمع في محتواها الدلالي بين طرفي الفضاء كما في صيغة (أخذ الدنيا بحذافيرها) ، فالدنيا امتداد زماني يُقاس في الصيغة بما هو مكاني (الحذافير: الجوانب والأطراف) موحدًا أثر الفضاء في الصيغتين مع اختلاف محمول كل منهما:

أبقى ... من ... حجر ... ...:البقاء والخلود

أخذ ... ... الدنيا ... بحذافيرها ...: التملّك

زمان ... ... مكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت