فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 74

وإذا سنحت له فرصة القيام بعمل فلينظر أحبّ العمل وأنسبه لنفسه ممّا يتقنه وتميل نفسه إليه، فإن كان محبًّا للصّلاة صلّى، وإن كانت نفسه محبّة للصّوم أطلقها فيه، وإن كان توّاقًا للجهاد نفر، وإن كان محبًّا للعلم تعلّم وهكذا.

وحتّى في جانب الوقاية من الذّنوب، يسوغ له مدافعة نفسه، بل إنّه قد يجوز له أحيانًا فعل الذّنب ليدفع ذنبًا أكبر، كما نصّ كثير من العلماء على جواز الاستمناء إذا خاف على نفسه الزّنا [1] .

وإذا تردّد الأمر بين أن يقع في المعصية وبين أن يشتغل بها الأيّام لاهو بالّذي فعلها ولا هو بالّذي انصرف عنها فقد يجوز أن يقع في المعصية لينصرف عنها، فإنّ المعروف أنّ كثيرًا من النّفوس تتوق لفعل المعصية من باب الفضول والتّعرّف، فإذا جرّبتها نفرت عنها، ولا شكّ أن تضييع الأيّام في التّفكير في معصية ـ وقد يورث ذلك تثاقلًا عن الطّاعة وكرهًا لها ـ لا شكّ أنّ ضرره ومفسدته على المرء أكبر من مفسدة الوقوع في المعصية.

على أنّي لا أقصد بذلك الوقوع في الكبائر لأنّ أمرها يختلف، وإنّما أقصد الصّغائر والذّنوب الّتي تخفّ مفسدتها عن مفسدة الانشغال بها، والعاقل الفقيه من يستطيع أن يميّز بين المفاسد ويوازن بينها ويعرف نفسه وما تحتاج.

وذلك بلا شك لا يعني أنّه لا يأثم في فعل المعصية، بل المراد أنّ هذا الإثم أقلّ مفسدة من إثم تضييع الوقت والانشغال بالتّأمّل في المعصية وتمنّيها وترك الواجبات ربّما بسبب ذلك.

ومن هذا الباب ورد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قوله: أشتري ديني بعضه ببعض، بل إنّه رضي الله عنه عمّ أصحاب النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بهذه القاعدة [2] .

فهذا تعبير صحيح للمسألة الّتي نحن فيها، فإنّ العبد قد يحسن منه أن يضحّي بشيء من دينه ليسلم له الباقي.

(1) خوفًا حقيقيًا لا مجرّد الوهم!

(2) سير أعلام النّبلاء 2/ 368 وحلية الأولياء 1/ 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت