فهرس الكتاب
وتأمّل معي قصّة لوط مع قومه السّوء لمّا جاؤوه يريدون السّوء بضيوفه وهم من الملائكة لكنّه لم يعرف هو وقومه ذلك، والّذي يريده قومه من ضيوفه خزي وعار وذنب عظيم، فما كان من لوط إذ يأس من نهيهم إلاّ أن عرض عليهم بناته، وقد اختلف العلماء في الغرض من هذا العرض، فقال بعضهم عرض عليهم الوقوع بهنّ بدلًا عن ضيوفه، وبعضهم قال إنّه عرض عليهنّ الزّواج منهنّ، وقال بعضهم المقصود ببناته بناته من صلبه، وقيل بل المراد نساء المؤمنين فإنّ النّبيّ أبٌ لهنّ كما أنّ أزواجه أمّهات المؤمنين.
وعلى جميع الأقوال السّابقة فإنّ صلة البنات بهؤلاء اللّوطيّة مفسدة، فإنّ زواجهنّ بهم وهو أخفّ الضّرر لا يجوز لأنّهم قوم سوء، فلماذا لجأ إليه لوط عليه السّلام؟.
الجواب: لأنّ في ذلك دفعًا لمفسدة أعظم بكثير وهو وقوع هؤلاء الخبثاء بضيوفه في فعل شائن تهتزّ له أركان الأرض كما تهتزّ أركان النّفس.
وكذلك النّفس قد تهيج بصاحبها وتندفع اندفاعًا لا يملك أمامها إلاّ خيارين: إمّا التّخلية بينها وبين الذّنب.
وإمّا مساومتها لترضى بما هو أقلّ ضررًا عليها ممّا يصرفها عن قصدها الأوّل.
ولا أشكّ أنّ الخيار الثّاني هو عين الفقه، كما أنّ الحزم بالمنع المطلق هو الخير المحض إن كان إليه سبيل.