فهرس الكتاب
ثمّ إذا استوثقت منها وأصبحت لنفسك كالعادة اليوميّة فزد عليها ركعتين، فإذا قطعت بها شوطًا فزد وهكذا حتّى تصل إلى مرتبة ترضيك.
ونكتة المقال: أنّ النّفس لها حاجة إلى العبادة كما تحتاج إلى الطّعام والشّراب والنّكاح.
لكنّ هذه الحاجة يزيد شعور العبد بها وينقص بحسب طبيعة حياته، فالعامّي لا يحتاج من العبادة ما يحتاجه العالم، والدّاعية يزيد احتياجه على طالب العلم، ولهذا أوجب الله تعالى على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قيام اللّيل فقال له: {يا أيّها المزّمّل قم اللّيل إلاّ قليلًا نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه ورتّل القرآن ترتيلًا إنّا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} : [المزّمّل: 1ـ5] .
فالمرء لا يشعر بقيمة الشّيء إلاّ بحسب احتياجه له، ألا ترى أنّه يشعر بقيمة الطّعام أكثر إذا جاع، وأمّا إذا شبع فلربّما ازدرى نعمة الله.
والعبادة كذلك، فالمؤمن كلّما اعتاد على قدر من العبادة وداوم عليه زاد إيمانه القلبي ويقينه ورجاؤه، وإذا زادت هذه الأعمال القلبيّة أوجدت في صاحبها احتياجًا إلى العبادة، فهي تنفيس لطاقة داخليّة، تجبره على التّعبير فإذا كان مقدار العبادة الّتي يزاولها أقلّ منها طلبت منه المزيد فعند ذلك يندفع لها العبد بجسده ونفسه ولا يجد لذلك ألمًا أو تعبًا بل يجد لذّة لا توصف.
كالمحبّ، لا يصبر إلاّ أن يعبّر لمحبوبه ويبدي له ما بداخله من المحبّة: فيقبّل ويعانق وينكح ويقول شعرًا ويقتل نفسه أحيانًا أو غيره، وذلك بحسب قوّة المحبّة في القلب.
ومثل المسرور لا يجد بدًّا من الضّحك وربّما قفز كالمجنون إذا زاد به الفرح بل ربّما يموت.
والمحزون كذلك يبكي وربّما صرخ وربّما مات من الحزن.
كذلك محبّة الله ورجاؤه في القلب المؤمن طاقة عظيمة إذا لم تنفّس بالعبادة فلربّما انفجر قلب صاحبها، فلا يملك إلاّ أن يبدي وينفّس عن قلبه بالطّاعة والعبادة بل ببذل النّفس والمال كذلك.