فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 74

(ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا عنه) [1] ، لأنّ جميع التّشريعات في الحقيقة تخضع في تطبيقها لقاعدة المصالح والمفاسد، ثمّ إنّ الأمر بالانتهاء مطلق، وهو بلا شك على الفور، غير أنّي في كلامي عن ترك المعصية بالتّدرّج لا أعني به أنّ الّذي يبقى عليها لا يأثم، كلاّ، وإنّما مقصودي أنّه في بعض الأحيان قد يترتّب على ترك المعصية على الفور مفسدة أعظم منها، فلا منافاة إذن بين هذا الأمر النّبوي وبين ما قدّمناه من التّدرّج في التّربية الذّاتيّة، بترك المحرّمات بالتدرّج حسب المصلحة والمفسدة المترتّبة على التّرك، والله أعلم.

عوِّد نفسك: لا!

مازلت أشبّه تربية النّفس بتربية الولد.

فالطّفل يمرّ في نموّه بمراحل يحتاج في كلّ مرحلة لنوع خاص من الغذاء والعلم والعاطفة.

وقد فُطر ابن آدم على التّطلّع ومدّ النّظر إلى مالا يملك، فإذا غدا المؤمن ملبّيًا لولده كلّ ما أراد أفسده بالدّلال.

وإذا حرمه من كلّ شيء عاد عليع بالتّمرّد والعصيان وعُدم نفعه.

والوسط أن يعطيه ما ينفعه في دينه ودنياه، ويمنعه عمّا من شأنه أن يدخل عليه النّقص في الدّارين.

وقد قيل:

والنّفس كالطّفل شبّ على

حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم

كذلك الحال مع النّفس، إن أعطيتها كلّ ما اشتهته أفسدتها بالدّلال، وإن حرمتها من كلّ شيء عادت عليك بالرّعونة والتّمرّد والعصيان.

والوسط أن لا تحرم نفسك من حلال تتوق إليه، وأن تحول بينها وبين ما يهلكها من حيث لا تشعر.

غير أنّ المؤمن لا بدّ أن يحتاط لنفسه حتّى فيما يحل، فلا بدّ للعاقل أن يعوّد نفسه: لا، فقد تطلب النّفس أحيانًا من الحلال ما لا سبيل إليه إلاّ بوجه شبهة أو معصية، فإن كانت تعوّدت في الرّخاء أن تُمنع من بعض شهوتها، لم تجد ألمًا إذا حُرمت منه أيّام الشّدّة، أعني حين تطلب المعصية.

(1) أخرجه الإمام أحمد ح 9577 وابن ماجة في المقدّمة ح 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت