فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 74

أمّا إذا كان العكس فإنّه سيجد ألمًا قد لا يستطيع مقاومته وجموحًا من نفسه قد لا يستطيع مواجهته فتوقعه في ما يوجب الغضب من ربّه فيهلك.

ومن هنا حثّ السّلف على تعويد النّفس الخشونة ولو من غير حاجة تحسّبًا لأيّام العسرة، كما قال عمر الفاروق رضي الله عنه: (اخشوشنوا فإنّ النّعم لا تدوم) .

وهذا المنع من العبد لنفسه كالرّياضة لها في الوقوف عند حدود معيّنة، ونلمح صورتها بجلاء في فرض الصّيام، فإنّ من أعظم حكم الصّوم فيما أظن: تعويد النّفس على ترك ما يحلّ لها اصلًا، والامتناع منه، فهو رياضة على ترك ما تشتهيه وهو حرام.

ومثله الحج الّذي يلزم الإنسان فيه ترك التّرفّه ولو بإزالة شعرة واحدة، وترك اللّباس الّذي يعتاده وترك محلّ إقامته ومجاورة من قد لا يحبّ وأكل ما قد لا يعجبه، كلّ هذا رياضة من الشّرع للنّفس أن تنتقل عن عادتها وملاذّها المباحة أصلًا، حتّى تكتسب قوى نفسيّة على ترك الحرام في اصل الشّرع.

ومن جميل ذلك ما ذكره ابن الجوزي حيث قال عن نفسه: (قدرت على لذّة ظاهرها التّحريم ويحتمل الإباحة، فجاهدت النّفس فقالت: أنت ما تقدر فلهذا تترك، فقارب المقدور عليه فإذا تمكّنت تركتَ فكنت تاركًا حقيقة، ففعلتُ وتركتُ، ثمّ عاودت مرّة أخرى في تأويل أرتني فيه الجواز فلمّا وافقتها أثرّ ذلك ظلمة في قلبي، فرأيت أنّها تارة تقوى عليّ بالتّرخّص والتّأويل، وتارة أقوى عليها بالمجاهدة والامتناع، فلمّا لم آمن عليها بالتّأويل تفكّرت في قطع طمعها من ذلك الأمر المؤثّر، فلم أر ذلك إلاّ بأن قلت لها: قدّري أنّ ذلك الأمر مباح قطعًا، فوالله الّذي لا إله إلاّ هو لا عُدتُ إليه، فانقطع طمعها) [1] .

(1) صيد الخاطر ص 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت