والجواب عن هذا: أن الحجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولكن لا يُنكر تطييب عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحجة أكثر من مرة بعد رمي الجمار وقبل طواف الإفاضة؛ لأن الوقت يتسع.
- (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) قيل: خان واختان بمعنى واحد، وقيل: الاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب، حيث إنَّ الزيادة في اللفظ تدل على الزيادة في المعنى. قال الراغب:"والاختيان: مراودة الخيانة، ولم يقل: تخونون أنفسكم؛ لأنه لم تكن منهم الخيانة، بل كان منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: ( ... إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ... ) (يوسف: 53) ". (المفردات، مادة: خون)
والظاهر أن خان واختان بمعنى واحد من جهة الخيانة، ولكن الاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب، حيث إنَّ الزيادة في اللفظ تدل على زيادةٍ في المعنى، وأما ما قاله الراغب فهو منقوض بما روي عن البراء - رضي الله عنه - أنه لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ) (صحيح البخاري ج4/ص1639) . أي: (وكان رجال يخونون أنفسهم) فجاء النص بإثبات أن بعضهم خان نفسه.
ومنقوض أيضًا بقوله تعالى (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) (البقرة: 107) أي: لا تدافع عن الذين يقعون في أكل أموال الناس وظلمهم. وهنا جاء معنى يختانون: يخونون.
- (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) وخيانة النفس تكون من جهة فعلهم للحرام مع معرفتهم به، فكأنهم غدروا أنفسهم وأوقعوها المعصية، وذلك كقوله تعالى ( ... وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس: 44) فهم يظلمون أنفسهم بوقوعهم في الحرام.
- (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أي خفف عنكم بإباحة ما كان محرمًا من الأكل والجماع، وهذا كقوله تعالى ( ... عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ... ) (المزمل: 20) أي خفف عنكم.