وأما من قال: إن القبلة جائزة للمعتكف لأنها تجوز للصائم في نهار رمضان فجوازها للمعتكف أولى.
فيُقال له: إن الله - جل وعلا - يشرع ما يشاء كما يشاء، فجعل - سبحانه - للاعتكاف أحكامًا، وللصيام أحكامًا أخرى، ألا ترى أن الصائم لو خرج من المسجد لا يبطل صيامه، بينما العاكف في المسجد إن خرج منه دون حاجة شرعية يبطل اعتكافه. أي هما عبادتان مختلفتان لكلٍّ منهما خصوصية، وقد ثبت جواز اللمس والتقبيل للصائم؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يباشر وهو صائم (صحيح مسلم ج2/ص777) ، ولكن لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل أن يفعل نحو ذلك وهو معتكف.
- (عَاكِفُونَ) أي ملازمون للمسجد طاعةً لله وطلبًا لرضوانه. وأصله في اللغة من"عَكَف"أي: لازم المكان.
- (الْمَسَاجِدِ) أي جنس المساجد، ولو جاز الاعتكاف في غير المساجد؛ لجاء معنى النص"ولا تباشروهن وأنتم عاكفون"دون ذكر المساجد، وإنما دل ذكرها على أنه لا يجوز الاعتكاف في غيرها من البيوت وغيرها من الأماكن.
ونقل العلماء الاتفاق على أنه لا يجوز اعتكاف الرجال إلا في المساجد، وذهب الجمهور إلى أن المرأة في ذلك كالرجل، لأنه لا يوجد ما يفرِّق بين المرأة والرجل في ذلك، والأصل أنهما في الأحكام سواء إلا ما قام الدليل على خلافه.
واختلف الفقهاء في المسجد الذي يُشرع فيه الاعتكاف:
قيل: في كل مسجد سواء كان مما تقام فيه الجمعة أو لا، وسواء كان مهجورًا أو لا. وهذا هو المذهب عند الشافعية والمالكية. واشترط مالك أن تقام الجمعة في المسجد إذا كانت في أثناء فترة اعتكافه (الثمر الداني شرح رسالة القيرواني ج1/ص315) . ويبطل عند الشافعية