الصفحة 74 من 76

وأيضًا فإن الآية لم تتوعد المخالفين بالتعدي كما وقع في قوله تعالى ( ... تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: 229) فجاء النص بالنهي عن التعدِّي ليبنى عليه ما بعده من توعُّد المتعدِّي، ولا يُناسب ذلك قولنا في غير التنزيل"تلك حدود الله فلا تقربوها ومن يتعد حدود الله ..."، ومثل هذا قوله تعالى ( ... وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ... ) (الطلاق: 1) بينما قوله تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) ناسبها ذكر التقوى؛ لأن عدم قرب المعاصي هو حقيقة التقوى، قال تعالى (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .

- (فَلَا تَقْرَبُوهَا) لئلا نكون كما قال عليه الصلاة والسلام:"كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه" (صحيح مسلم ج3/ص1219)

والنهي عن القرب إنما هو نهي عن الفعل وزيادة، وتأمل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:90) ألا ترى أن النهي كان بصيغة (فَاجْتَنِبُوهُ) وهو عين معنى فلا تقربوه، والمعنى ليس: لا تشربوا الخمر فقط، بل (فَاجْتَنِبُوهُ) ، ومن معاني الاجتناب: الابتعاد عن الجلوس على الموائد التي يدار عليها الخمر، وهكذا.

- (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (كَذَلِكَ) كالذي مرَّ من بيان الأحكام الشرعية (يُبَيِّنُ اللَّهُ) كل (آيَاتِهِ لِلنَّاسِ) كلهم، وذلك (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) .

- (يُبَيِّنُ اللَّهُ) ومن أحسن من الله بيانًا، ومن أحسن من الله توضيحًا وتعليمًا؟! ليعلم الذين يقولون: إن كثيرًا من آيات الأحكام دلالاتها ظنية. ليعلموا أن الله - جل في علاه- هو من أراد هذا، لأن الله أراد من هذه الأمة أن تبقى متصلة مع دينه، تتعلّمه، وتتفكّر فيه، وتتأمل حِكَمَه، وهو - سبحانه - من جعل دلالة بعض النصوص ظنية، ولكن جعل لهذا الظن أُطُرًا لا تخرج عنه وإلا كان شذوذًا، جعلها دلالات ظنية ليرى فيها المجتهدون عبر تغيّر العصور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت