ثم ذكرهم سبحانه وتعالى أن يكونوا في بقية العبادة على حال المسارعة كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء 090) فهلا كان ذلك منك؟
لما نزل قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (آل عمران 133) علموا أنهم هم المقصودون بهذه الآيات، وأنهم هم المطالبون أن يسارعوا فسارعوا فيها، وتنافسوا بينهم أن يصل كل منهم الأول إلى الله تعالى؛ فلم يبق لهم جهد ولا مال ولا وقت إلا بذلوه لله تعالى ونحن نزهد في طاعة الله تعالى لنوفر الجهد والمال والوقت للزائل للشهوات، للبعد، للغفلة، للفرص الكاذبة، إلى غير ذلك من الأحوال الفاسدة التي تعلو هيئة المؤمنين وقلوبهم هذه الأيام.
هلا سارعوا وعلموا أن هذه المسارعة لابد وأن يقوموا بها لأن أيام الدنيا معدودة، وابن آدم عدة أيام، إذا مضى يوم مضى بعضه حتى ينتهي إلى الله تعالى؟
وقد وعظهم الله سبحانه وتعالى بأن ليس لهم وقت متبقي في الدنيا، وهو قوله الذي نذكره كثيرا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الْحَشْرِ 18: 19)
والمعنى في قوله {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} (الْحَشْرِ: 18) هو أن أقرب الأيام أن يكون المرء عند الله هو الغد، ولو كان هناك يوم يمكن أن يكون المرء فيه عند الله قبل الغد لذكره الله تعالى، فكل نفس مطلوب منها أن تنظر فيما تلاقي به الله تعالى هل يبيض وجهها أو يسود وجهها؟ من الذي نظر في أعماله وصحيفته فختمها بخاتمة تكون سببا أن يبيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه؟