فهلا استأنس بهذا الجليس؟ بربه ومحبوبه؟ أم كان أنسه بالناس واختلاطه بهم وإقباله عليهم وأنسه بكلامهم، واستئناسه ووحشته من ربه والحجاب بينه وبين الله تعالى.
هل غلب عليه أن يكون ربه جليسه وحاضره ومحدثه، يناجيه ويبثه شجونه ودعواه، ويدعوه ويتملقه، ويرفع إليه ويتضرع إليه؟ هل غلب ذلك على حال السالكين إلى الله تعالى؟ هل نظروا إلى هذا الحال فبين لهم مقامهم وسيرهم إلى الله تعالى؟
ثم بين لهم أعلى الذكر وأفضله وهو قراءة القرآن الكريم، قراءة كلام الله تعالى. تراهم قد أقبلوا على هذا الكلام كما ذكرهم المولى سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} (فاطر 029) وكما قال تعالى: {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال 002) هل ظهر عليهم ذلك؟
هل ظهرت عليهم بركته ورحمته ونوره وهداه وشفاؤه {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (فصلت 044) فكان دواؤهم الذي يأخذهم إلى الله تعالى، ويطهر ظاهرهم وباطنهم، ويطهر قلوبهم وأبدانهم وألسنتهم وجوارحهم في سيرهم إلى الله تعالى، كان ذلك الكتاب على هذا المعنى كما قال تعالى: {مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} (الزمر 23) {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} (الإسراء 082) ويبكون عند تلاوته وسماع آياته {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (مريم 58) .