فهرس الكتاب
و أول ذلك أن القليل معه كثير لأن صاحبه نقي الثوب لا تثقله الأوزار و لا تدنسه المشتبهات فهو طيب خفيف الحمل من الذنوب فهو يترك ما اشتبه عليه فضلًا عما تُحُقق تحريمه و بهذا يكون العمل بالنسبة لمثل هذا و إن قل يكون عمله الصالح كثيرًا لأن العبرة بالموازنة فمن غلبت حسناته سيئاته فقد نجا و من غلبت سيئاته حسناته فقد هلك ولهذا قيل ويل لمن غلبت آحاده عشراته أي أن الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بسيئة فمن غلبت آحاده وهي السيئات عشراته فلاشك أنه مفلس و أنه خاسر وهذا يدل على أن الحسنات عنده قليلة أما إذا كان الرجل لا توجد عنده هذه الذنوب والسيئات والاجتراء على الحرام بل إنه يتجنب الأمور المشتبهة و لا يفرط في أمر الله عز وجل فيمتثل أمره وإذا شك في أمر هل هو مستحب أو واجب فإنه يفعل ذلك و يأتي به إبراءً لذمته و قد قال يوسف ابن أسباط رحمه الله ' يُجزأ قليل الورع عن كثير العمل و يجزأ قليل التواضع عن كثير الاجتهاد ' و قد جاء عن الحسن البصري رحمه الله نحو ذلك حيث قال 'قليل الورع خير من ألف مثقال من الصوم و الصلاة' و جاء رجل إلى العمري العابد فقال له عظني فأخذ حصاة من الأرض فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض قال زدني قال:كما تحب أن يكون الله لك غدا فكن له اليوم، جاء عن محمد ابن واسع رحمه الله قوله 'يكفي من الدعاء مع الورع اليسير منه' و يقول صالح المري 'المتورع في الفتن كعبادة النبيين في الرخاء'فهذه الآثار جميعًا تدل على أن الورع سبيل إلى تكثير الأعمال و تثقيل موازن الحسنات لأن كفة السيئات تكون متلاشية أو خاوية.