ذلك لا يغضب لله، ولا يتمعر وجهه، ولا يحمر، فلا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم دينا، وأصحاب الكبائر أحسن عند الله منه، وقد حدثني من لا أتهم عن شيخ الإسلام إمام المسلمين ومجدد القرن الثاني عشر، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى أنه قال مرة: أرى ناسا يجلسون في المساجد على مصاحفهم يقرءون ويبكون، فإذا رأوا المعروف لم يأمروا به، وإذا رأوا المنكر لم ينهوا عنه، وأشوف أناسا يعكفون عندهم يقولون هؤلاء لحي غوانم، وأنا أقول: إنهم لحي فواين [1] .
فقال السامع: أنا ما أقدر أقول: إنهم لحي فواين، فقال الشيخ إنهم من الصم البكم.
ويشهد لهذا ما جاء عن بعض السلف أن الساكت عن الحق شيطان أخرس والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، فلو علم المداهن الساكت أنه أبغض الناس عند الله وإن كان يرى أنه طيب لتكلم وصدع، ولو علم طالب رضا الخلق بترك الإنكار عليهم أن صاحب الكبائر أحسن حالا عند الله منه، إن كان عند نفسه صاحب دين، لتاب من المداهنة ونزع، ولو تحقق من بخل بلسانه عن الصدع بأمر الله أنه شيطان أخرس وإن كان صائما قائما زاهدا
(1) جمع فاين وهي تطلق عندهم على المرأة البغي والسيئة.