الصفحة 156 من 194

لذلك فإنه لا بد من وصل الأرحام مهما صدر منهم من إساءة، وإن قاطعوك فلا تقطعهم، بل صلهم وتودد لهم وأحسن إليهم. فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: أن رجلًا قال:"يا رسول الله لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال:"إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"."

فالشاهد في هذا الحديث أنه لا بد للمرء مهما بلغ رحمه من إساءة له، أن يحلم ويصل، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم (فكأنما تسفهم الملّ) قال النووي: كأنما تطعمهم الرماد الحار. وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا لمحسن، بل ينالهم الإثم والقطيعة وإدخالهم الأذى عليه.

وقيل: معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف الملّ.

وروى الشيخان، وغيرهما عن جبير من مطعم ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يدخل الجنة قاطع) قال سفيان: يعني قاطع رحم.

وروى الإمام أحمد، وابن حبان، عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر.

وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني في"الكبير"وهو في"الصحيحة" (2548) عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من ذي رحم يأتي رحمه فيسأله فضلًا أعطاه الله إياه فيبخل عليه؛ إلا أخرج له يوم القيامة من جهنم حية يقال لها: شجاع يتلمظ؛ فيطوق به.

قطع الأرحام من الكبائر

قال القاضي عياض ـ رحمه الله ـ ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة. والصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجبة ومنها مستحبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت