فهرس الكتاب
... إن ظاهرة اليأس هي ظاهرة شائعة. وطرق التعبير عنها متفاوتة. فقد يُعبَرُ عنها بالتعبير المباشر مثل:"لا فائدة! ما الذي يمكن عمله؟! لقد سبقنا الآخرون بمراحل كبيرة! العالم يتقدم ونحن نتأخر! انظر إلى أوضاعنا وأحوالنا!!"
... كل هذه العبارات المباشرة والمعبرة عن اليأس تقابلها - عند جموع العاملين في الحقل الإسلامي - عبارات لا تقل عنها في مستوى اليأس، ولكنهم - أي العاملين - يستخدمون طرق التعبير غير المباشرة مثل قولهم:"سننتصر إن شاء الله عز وجل، والإسلام قادم!!"، إلا أنك تلمح في ثنايا هذا الصوت صوت يائس. فقولهم"إن شاء الله"هنا هي على التعليق لا على التحقيق (1) . فلقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحث الجند على الجهاد ويقول لهم: سننتصر على التتار. فانبرى له بعض من حوله وقالوا له: قل إن شاء الله. فقال: أقول إن شاء الله على التحقيق لا على التعليق. فمثل هذه العبارات والآيات والأحاديث التي تتحدث عن الأمل، وطريقة عرضها، وما يتبعها من سكون وبطالة تكون دلالة يأس لا دلالة أمل. فعندما نلحظ جموع المسلمين يستشهدون بقول الله عز وجل"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" (2) على الأمل الراسخ في قلوبهم، ثم تجدهم عقب انتهائهم من ذكر الآية ينسحبون من ساحة الفعل الإسلامي ويبحثون عن الخلاص الفردي، والذي تبدو مظاهره واضحة وجلية، كمظاهر العمرة والحج المتكرريْن، ومظاهر حلق العلم الصغيرة على ما في كل هذه السلوكيات من الخير. هذا الاستشهاد بالآية الكريمة الذي لا يجاريه عمل في الواقع أو مشاريع محمولة على أكتاف هؤلاء الرجال - تدل على هذه الحرقة وعلى
(1) المقصود بالتعليق هنا كقول أحدهم لصاحبه ألقاك غدًا فيرد عليه بالمشيئة وهو عازم في قرارة نفسه على عدم لقائه. أما التحقيق فهو رده بالمشيئة مع عزمه واتخاذ الأسباب الكفيلة بتحقيق هذا اللقاء.
(2) سورة يوسف: 87