فهرس الكتاب
فلو حاولت أن تتخيل مشهدًا مسرحيًا يجسد مجموعة من الناس وهي تنظر إلى عباس بن فرناس - وهو يكتب كتاباته وأفكاره حول عملية طيران الإنسان - نظرات استنكار ودهشة وإشفاق عليه مما أصاب عقله، ثم طويت عددًا من القرون لتنتقل بسرعة إلى أوروبا في مشهد آخر يجسد الفرمان الذي أصدرته الكنيسة والقائل بأن الله قد خلق الزعانف للأسماك كي تسبح في البحر، وخلق الأجنحة للطيور كي تطير في الهواء، وخلق للإنسان قدمين كي يسير على الأرض. ولو شاء له أن يطير لخلق له جناحين، وعلى ذلك فكل من يقول بإمكانية الطيران أو يفكر في ذلك فهو مخالف للكتاب المقدس ولمشيئة الرب. وهو داخل في دائرة الكفر والهرطقة.
... لو انتقلت بهذين المشهدين إلى عالمنا المعاصر ووقتنا الراهن. وناديت بمثل هذا الفكر الذي ساد في لحظة تاريخية معينة، فكيف سيتقبل أبناء هذا العصر هذه الأفكار؟؟!! لا شك أنهم لن يحملوا هذه الدعوة محمل الجد، ولن يعيروها اهتمامهم، لأنهم يرونها خارج نطاق العقل والمنطق. وتلك حقيقة لا تحتاج إلى التدليل أو البرهان. وإن شئت فلتراجع تاريخ الشعوب والأمم في لحظة تاريخية معينة، لترى كيف اعتقد الناس في تلك اللحظة التاريخية أن هذه الأمة لا يمكن أن تحقق آمالها، وفي لحظة أخرى نرى هذه الأمة قد بلغت شأنًا عجيبًا، ما يجعل الناس يعتقدون أنها لم تكن في حالة ضعف في يوم من الأيام (1) .
إن علم الاجتماع يدلنا على ظاهرة اجتماعية متكررة. ففي لحظة معينة وتحت ضغط واقع ما، يعتقد الناس في عدم إمكانية الفعل، وفي لحظة تاريخية أخرى يصبح عكس هذا التفكير جنونًا.
فكيف يهدم علم الاجتماع جدار اليأس؟
(1) يمكن الرجوع إلى سلسلة"أمم أرادت النهوض"والتي تعرض بعضًا من التجارب التاريخية للمؤلف نفسه.