الصفحة 133 من 143

تمثل هذا التكليف وهذه المهمة الشاقة في قوله تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (1) . أما المكلف فهو رجل في عقده الرابع، ولك أن تتأمل واقع البيئة التي كان يعيش فيها، وواقع القوم الذين كان يحيى بين أظهرهم. أما طبيعة التكليف فهو تبليغ دعوة الإسلام إلى العالمين - كل العالمين - إنسًا كانوا أو جنًا، أينما كانوا، في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها.

فإذا قارنت بين المعطيات المتوفرة للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - وبين طبيعة المهمة المكلف بها، ستجد أن إمكانية تنفيذ هذه المهمة هو من باب المستحيل. فلو تأملنا واقع البيئة الوحشية التي كان يعيش فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولو قدرنا ما يحتاجه - صلى الله عليه وسلم - لتنفيذ هذه المهمة من كثافة بشرية كمية، وكثافة بشرية نوعية، ثم لو فكرنا في الكثافة الكمية التي يحتاجها لاختراق بلاد مثل الصين، والكثافة الكمية التي يحتاجها لاختراق بلاد فارس أو مملكة الروم، سنجد أن الأمر لا يعدو كونه حلمًا غير قابل للتنفيذ. وحتى لو توافرت الكثافة الكمية المناسبة فهل يمتلك القيادة النوعية المعدة والجاهزة والقادرة والمهيأة للقيام بهذا الدور الكبير؟! وحتى لو افترضنا توفر هذين العنصرين في مكة في تلك اللحظة - وهو ما لم يحدث - فكيف استقبل أهل مكة؛ بل أقرب الأقربين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الفكرة؟؟ وكم كانت درجة مقاومة المحيط

الحيوي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه الفكرة؟؟ لو تتبعنا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - سنجد أنه بعد ثلاثة عشرة سنة من العمل الجاد في مكة لم تنجح الفكرة في استقطاب سوى ثمانين أو بضعًا وثمانين شخصًا في مكة، بينهم النساء والرجال والشيوخ والأطفال والعبيد والأحرار.هذا الخليط من البشر الذي لا يزيد عن بضع وثمانين نفرًا، هل يمكن أن يتحمل مهمةً بهذه الضخامة؟؟!

(1) سورة الأنبياء: 107

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت