فهرس الكتاب
ثم إذا افترضنا أن هذه المنطقة من العالم - التي تتألف من قبائل
بدوية رعوية، تنتقل من مكان إلى آخر، لا يسلم فيها بيت من حالة ثأر، تقتتل لعشرات السنين حول ناقة أو سباق خيل، يقوم اقتصادها على السلب والنهب والغارات والغزو، غير مدربة على العمل المنظم الكبير - إذا افترضنا أنه قد تم استيعابها داخل المشروع النهضوي الإسلامي فما هي قدرتها على مواجهة الإمبراطوريتين العظيمتين الروم والفرس.
ثم هذه المنطقة التي تم استيعابها ما هي قدراتها العلمية والمعرفية التي تؤهلها لإدارة عملية الإحياء الحضاري للمجتمعات التي سيقومون بغزوها؟؟ فمن السهل أن تغزو أمة وأن تنتصر عليها عسكريًا، أما أن تنتصر عليها حضاريًا فهذا شأن آخر. وإليك نموذج التتار المنتصرين، ما الذي خلفوه وراءهم؟؟!!
... إن مشروعًا مثل مشروع المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، لم يكن مشروع غزو للنهب والسلب؛ بل لقد كان مشروع توسع حضاري، كي تستقر اللغة ويستقر الدين في هذه المجتمعات. فما هي إمكانية هؤلاء العرب الذين لم يكونوا يعرفون القراءة الكتابة وليس لهم سابق معرفة بالأداء الحضاري كي يتغلبوا على فلسفات وثقافات واتجاهات منتشرة في هذه المجتمعات الجديدة؟؟!!
لقد كانت المعطيات المتاحة للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - في هذه اللحظة التاريخية معطيات صفرية. ولم تكن مبشرة بتلك النتائج التي تحققت بعد أربعين سنة من الفعل الحضاري للمسلمين.
فإذا كانت تجربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مؤيدة بالوحي من السماء فلننظر في غيرها من التجارب التاريخية لغير المسلمين. والذين قاموا من أجل إصلاح مجتمعاتهم، ولم يكن لعامل الدين أي دور في تحركاتهم.
التجربة الصينية والمعطيات الصفرية