فهرس الكتاب
، وفي عالم الأشياء (1) .
فإذا نظرنا إلى الإسلام ثم إلى نوعية العقلية التي سادت في المنطقة العربية قبل الوحي لوجدنا هذا الاختلال واضحًا. فسنجد أن عالم أفكارها كان يعاني من ثلاثة اختلالات كبرى. أولها اختلال قيمي مفاهيمي. فلقد كانت مجموعة الأفكار التي طرحتها الحالة الجاهلية - من قبيل قولهم"بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا" (2) ، وقولهم"حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا" (3) - دليل أساس على أكبر الآفات في وجه التقدم. فلقد تجمدت وتبلدت عقولهم، وتوقفت عن إنتاج الأفكار، واكتفت بما أنتجته عقول الآباء والأجداد والسابقين. ثم هي بعد ذلك لا تفعل شيئًا سوى أن تستكمل مسيرة الحياة، فتسير إلى الأمام
بمجمل ما هو موروث من أفكار وأقوال ومعتقدات. فمن أين يأتي التقدم
والتطور إذا كان الإنسان قد أوقف عقله وجمده ومنعه من التفكير؟ بل وربما أغلق الأقدمون عقولهم كذلك على فكرة أول شخص بدأ بوضع ما يراه. فأهل الجاهلية لا يريدون إرهاق عقولهم في البحث عن الحقيقة. فجاء الإسلام ليقابل هذه النمطية المتكلفة في التفكير وهذا الأداء المتخلف في الفعل، فكان رد القرآن عليهم"أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون" (4) و"أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون" (5) ، وغيرها من المواجهات القرآنية التي أُريدَ بها تصحيح العقل وتنظيم المنهج العلمي في البحث والتفكير بإنكار حالة الانحباس الماضوي.
(1) كان عالم الأشياء ضعيفًا جدًا. فقد كان العرب في الجاهلية رعاة في الصحراء، يعيشون في الخيام، قوام حياتهم الرعي والتجارة والإغارة على القوافل والتجار والقبائل.
(2) سورة البقرة: 170
(3) سورة المائدة: 104
(4) سورة البقرة: 170
(5) سورة المائدة: 104