الصفحة 75 من 143

ورغم أن هذه المقولة أو الفكرة قد أصابت كبد الحقيقة في بعض جوانبها إلا أنها ليست صحيحة بالكلية. (فالصحابي الجليل أبو محجن الثقفي كان مولعًا بالشراب، مشتهرًا به، وكان سعد بن أبي وقاص حبسه فيه. فلما كان يوم القادسية وبلغه ما يفعل المشركون بالمسلمين ألح على أم ولد لسعد - وكان سعد قد أوثقه إلى سارية عندها - أن تفك وثاقه ليقاتل مع المسلمين، وتعهد لها أن يرجع في وثاقه بعد المعركة. فحمل على المشركين حملة صادقة حتى قال سعد:"لولا أن أبا محجن في الوثاق لظننت أنه أبو محجن وأنها فرسي") (1) . وهكذا نجد هذا الصحابي الذي صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاهد في سبيل الله يرتكب كبيرة من الكبائر. فهو لم يستكمل التربية بعد، ورغم ذلك لم يمنعه قادة الإسلام من الخروج في الجيش للجهاد الذي هو من أشق العبادات على النفس بحجة نقص التربية أو الإيمان، بل لقد شهد له سعد بن أبي وقاص بالكفاءة، ولم يقل"أخشى من أن نؤتى من قبل أبي محجن"لأن لكل إنسان نقاط قوة ونقاط ضعف، وأبو محجن كانت نقطة قوته في كفاءته وحبه للجهاد، ونقطة ضعفه في حبه الخمر، غير أن الجهاد

يمحو الخطايا فهو خير معين لصاحب الخطيئة على تركها.

إن تزكية النفس لا تكون إلا بالامتثال لواجب الوقت الذي يريده الله منا، ولم نسمع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منع صحابيًا عن الجهاد لذنب أو كبيرة، بل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمنع من لم يجاهد في غزوة تبوك من أن يلحق به في غزوة أخرى"فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين" (2) ،

(1) محمد أحمد إسماعيل المقدم. علو الهمة. المكتبة التوفيقية. بتصرف

(2) سورة التوبة: 83

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت