فهرس الكتاب
و من تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار و الصغار رآها من إضاعة هذا الأصل و عدم الصبر على المنكر وإزالته فتولد منه ماهو أكبر منه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولايستطيع تغييرها بل لمافتح الله مكة و صارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه:الأولى: فإنكار المنكر أربع درجات الأولى أن يزول و يخلفه ضده .
الثانية: أن يزول و إن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة:أن يخلفه ما هو شر منه .
فالدرجتان الأوليان: مشروعتان، والثالثة: موضع اجتهاد، والرابعة: محرمة.
فإذا رأيت أهل الفجور و الفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه و البصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله و رسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك و إذا رأيت الفساق ، قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية ، فإن نقلهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد و إلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك و كما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال و السحر فدعه وكتبه الأولى ، و هذا باب واسع وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في عسكر من التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه، و قلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله و عن الصلاة و هؤلاء يصدهم الخمر عن النفوس و سبي الذرية و أخذ الأموال فدعهم.