الصفحة 54 من 107

قلت: و أكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة كما يؤخر عن الحامل و المرضع وعن وقت الحر والبرد و المرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى ، فإن قيل فما تصنعون بقول سعد:"و الله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم"، فأسقط عنه الحد، قيل قد يتمسك بهذا من يقول: < لا حد على مسلم في دار الحرب >، كما يقوله أبو حنيفة ولا حجة فيه، و الظاهر أن سعدا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين وجهاده و بذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة و جعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر ولاسيما، و قد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت وأيضا فإنه بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارا قد استحق أن يوهب له حده ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم للرجل الذي قال له يا رسول الله أصبت حدا، فقال صلى الله عليه وسلم: صليت معنا هذه الصلاة ؟ قال: نعم، قال اذهب فإن الله قد غفر لك حدك ]، و ظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته فقال: والله لا أشربها أبدا، و في رواية أبد الأبد ، و في رواية: قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم ، فأما إذا تركتموني فو الله لا أشربها أبدا، و قد بريء النبي صلى الله عليه وسلم مما صنع خالد ببني جذيمة و قال: [ اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد] ، ولم يؤاخذه به لحسن بلائه و نصره للإسلام ( انتهى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت