فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 268

فهذا شأنُ كتابةِ القرآنِ من عهدِه ( إلى أن اشتهرتْ في الأمصارِ . والكتابةُ الموجودةُ الآنَ في المصاحفِ ، والمسماةُ بالرسمِ العثمانيِّ هي عينُها التي أجمعَ عليها أصحابُ النبيِّ ( في عهدِ عثمانَ ، وقد حُفِظَتْ لنا حفظًا عجيبًا ، حتى إن الهمزةَ الساقطةَ فيها ساقطةٌ عندنا ، والواوَ الزائدةَ زائدةٌ عندنا ، والألفَ المحذوفةَ محذوفةٌ عندنا ، والحرفينِ المتصلَين متصلانِ عندنا ، والحرفينِ المنفصِلَينِ منفصلان عندَنا ، وهلمَّ جرا . وقد ألحِقَتْ الحروفُ الساقطةُ بخطٍ صغيرِ ، ونُبِّهَ على الحروفِ الزائدةِ بعلاماتٍ معينة ، وذلك في الطبعاتِ الحديثِةِِ لتيسيرِ القراءةِ على الناسِ ، وكانتْ قبلَ ذلكَ تلحَقُ بالمدادِ الأحمرِ . فأما الأولُ فيُسمّى علمَ رسمِ المصحَفِ وقد صُنِّفَتْ فيه الكتبُ وروى أصحابها بأسانيدِهم عمن رأَوْا مصاحفَ عثمانَ وكيفيةَ كتابتٍها . وأما الثاني فيُسمَّى علمَ ضبطَِ المصحف ، وفيه كيفيةُ النَّقْطِ والشَّكْلِ وغيرُ ذلكَ ، حيثُ إن الكتابةَ الأولى لم تكنْ منقوطةً ولا مشِكَّلةً . واعلم أن هذا البابَ بابٌ واسعٌ اكتَفَيْنا فيه بهذهِ الإشاراتِ السريعةِ ، ومن أرادَ الفهمَ الكاملَ فعليه بالمطوَّلات المخصصة لذلك(383) .

وقد سبقَ لنا أن ذكرنا في دلائلِ الرسالةِ أن هناكَ جماعةً من أهلِ العلمِ ذهبوا إلى أن الرسم يتضمنُ إعجازًا من وجوهٍ عدَّةٍ ، علَمِها من عَلمها وجَهِلَها من جهلها ، وقد أشرنا إلى بعضِها في الموضعِ المذكورِ .

وما زالتْ الأمةُ الإسلاميةُ إلى الآنَ بعدَ انصرامِ أربعةَ عشرَ قرنًا متمسكةً بما كان عليه سلفُها من المنعِ من كتابةِ المصحفِ بغيرِ الرسمِ العثمانيِّ ، وهذا في حدِّ ذاتِه طعنةٌ في نحورِ أعداءِ هذا الدينِ ، حيث إنه لا درجةَ أعلى من ذلكَ في الحفظِ ، وإذا حُفِظَتْ طريقةُ الكتابةِ فما بالُكَ بالمكتوبِ ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت