فهرس الكتاب
سبحان الله ! أي حفظٍ َهذا ؟ إنه لم يَقِفْ إلى هذا الحدِّ - على الرغمِ من أننا لم نتكلمْ إلا على حفظِه مكتوبًا- بل جاوَزَه إلى درجةٍ أعلى من ذلكَ بكثيرٍ بطريقةِ حفظِه في الصدورِ ، فإنه لم يقفْ عندَ تلقي القَرْنِ عن القرنِ ، والجيلِ عن الجيلِ ، وهو النقلُ المتواترُ الذي لا تتطرَّقُ إليه شائبةٌ .
ومنْ بابِ تقريبِ الأمرِ نقول: إن ابنَ الجزريِّ رحمه الله تعالى سَجَّلَ ما وقفَ عليه من مشاهيرِ وأئمةِ القراءِ الذين تصدَّوا للإقراءِ ، وذَكَرَهم التاريخُ بأسمائِهم وأسماءِ مشايخهم وتلاميذِهم خلالَ ثمانيةَ قرونٍ من بَدءِ البعثةِ فبلغوا أربعةَ آلافِ نفسٍ (384) . وهذا يعني أن متوسطَ عددِ أئمةِ كلِّ قرنٍ حسبَ ما وصَلَ إليه علمُ ابنِ الجزريِّ خمسمائة إمام ، فكيف بمن لم يعلَمْهم ؟ وهذا رقمٌ خياليٌّ فإن هؤلاءِ هم الأئمةُ المتصدِّرونَ ، والقرآنُ يحفظُه غيرُ العلماءِ الذين هم في الأمة كالشامةِ في البعيرِ: الصغيرُ والكبيرُ ، والشابُّ والشيخُ ، والرجلُ والمرأةُ ، والعاميُّ والأمِّيُّ ، والمثقَّفُ وغيرُ المثقفِ ، فإذا أردنا إحصاءَ حفاظِ القرآنِ عامةً في كلِّ قرنٍ لهالنا العددُ ، ولو حصرنا الحافظينَ لبعضِ أجزاءٍ من القرآنِ لما بالغنا إذا قلنا كلُّ المسلمينَ !