فهرس الكتاب
أقولُ لم يصِلْ الحدُّ إلى هذا النقلِ الفريدِ والذي لا يوجدُ في كتابٍ آخرَ في عالم الناسِ ، بل تجاوَزَه من حفظِ الألفاظِ إلى حفظِ طريقةِ تلاوةِ هذه الألفاظِ ، فهذا الحرفُ فيه مدٌّ ، وفي ذاك غنةٌ ، وفي ثالثٍ إشمامٌ ، وفي رابعٍ إمالةٌ ، وهلمَّ جرا ، وندخلُ في علمٍ عجيبٍ وهو علمُ القراءاتِ والتجويدِ الذي نُقِلَ إلينا بالتلقي من الأفواهِ من عهدِ النبيِّ ( إلى عهدِنا هذا . ولما قلَّ في الأزمنةِ المتأخرَةِ عددُ أئمةِ الإقراءِ بالنسبةِ لعددِ الناسِ الهائلِ ، بحيث صعبَ أن يجدَ كلُّ مسلمٍ من يتلقى القراءةَ على يديه ، وضعتْ له القواعدُ وصنفتْ فيه الكتبُ . وقد جزمَ العلماءُ بوجوبِ قراءةِ القرآنِ بنفسِ طريقةِ الأداءِ التي وَصَلَنا بها ، قال ابنُ الجَزَرَي:
والأخذُ بالتجويدِ حتمٌ لازمُ من لم يُجَوِّدْ القرآنَ آثمُ
لأنه به الإلهُ أنزلا … وهكذا منه إلينا وصلا (385)
فأيُّ حفظٍ بعدَ هذا الحفظِ ، ناهيكَ عن باقي العلومِ التي خَدَمَتْ هذا الحفظَ من حصرٍ لعددِ آياتِ القرآنِ ودراسةٍ لأماكنِ نزوله وأوقاتِه وأسبابه ، وقد تتبَّعَ السيوطيُّ رحمه الله منها ثمانينَ علمًا ! نذكرُ منها على سبيلِ المثال: ( المكيُّ والمدنيُّ ) ، ( والحضري والسفري ) ، ( والأرضي والسماوي ) ، ( والليليُّ والنهاري ) ، وغيرُ ذلك (386) .
ومازال القرآنُ إلى الآنِ ، يتلقّاه القراءُ بالأسانيدِ المتصلةِ إلى النبيِّ ( بقراءاتِه المتواترةِ ، كلُّ تلميذٍ يَعرِضُه على شيخِه كاملًا وهكذا حتى يبلغَ منتهاه .
والمجالُ أضْيَقُ من أن أُسهِبَ فيه أكثرَ من هذا ، فسبحانَ من صدقَ وعدَه ونصرَ عبدَه ، وحَفِظَ كتابَه ، وجعلَ أهلَه خاصَّتَه وأحبابَه .
ـ ثانيًا: مظاهرُ حفظِ السنةِ:
وأما السنةُ فلم تبعُدْ العنايةُ بها عن مقدارِ العنايةِ بكتابِ الله ، وتقدَّمَ معنا نهيُ النبيِّ ( عن كتابتِها في بدءِ الأمرِ ، ثم رخَّصَ بعدُ في ذلكَ .