فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك ...
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجيّ هم؟) قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا
وهنا كانت سعادة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا توصف ..
فقد عرف الحق وأدرك الآن من يستحق أن يعبد في الأرض ..
ولم يخاف النبي - صلى الله عليه وسلم - مما قاله"ورقة بن نوفل"بأنه سوف يتعرض للأذى والطرد من مكة أن أخبرقومه بما حدث له في الغار ...
وأن الله تعالي أختاره ليكون نبيهم ورسولهم ..
ولكن فرحته لم تستمر كثيرًا ,فقد أنقطع الوحي فجأة ...
وأصابه هذا بحزن شديد ..
**انقطاع وفتور الوحي:
أثار القلق في نفسه انقطاع وفتور الوحي حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - ..
واستمر انقطاعه قرابة الأربعين يومًا ..
واشتد الألم النفسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - , وكلما زاد حزنه تَبَدَّى له جبريل عليه السلام ..
فيقول له: يا محمد، إنك رسول الله حقا"فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه ..."
واستمر علي هذه الحالة فترة ...
وذات يومًا بينما هو يمشي إذ سمع صوتا من السماء .. فنظر ورأي جبريل -عليه السلام- جالسًا علي كرسي بين السماء والأرض ..
فأثار ذلك رعبه وخوفه - صلى الله عليه وسلم - وعاد إلي أهله يقول: دثروني. دثروني-أي غطوني- فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) } -المدثر
ثم تتابع الوحي ولم ينقطع بعد ذلك حتي توفاه الله تعالي.
**أقسام الوحى:
الوحي الذي كان ينزل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - كان علي مراتب مختلفة .. قال ابن القيم، وهو يذكر تلك المراتب:
إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم.
الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته) .