الصفحة 66 من 80

تعددت المذاهب بين جميع الفرق، واختلفت الآراء، ولم تخل من التعصب. وتلك هي الآفة الكبرى لأي مجتمع، فعندما ينتقل النقاش المنطقي، إلى ساحة الفعل التحريضي، ومن ثم إلى ساحة العنف فإن ذلك دمار للمجتمع، فإذا استدعيت جماهير الغوغاء إلى ساحة المعركة الكلامية، فتلك بداية النهاية لكل شيء جميل، لأنها تنتقل تلقائيًا إلى ساحة العنف ضد المعارضين، وذلك الأمر الذي يقتل الفكرة والعقل وهما دعامة النجاح لأي مجتمع وعليهما يقوم الإيمان والتكليف وبهما يخطط لنصرة الدين وإعمار الحياة.

5)المعضلة الاقتصادية

سوء توزيع واستخدام الثروة، الاحتكار، تداول الثروة بين طبقة محددة بالباطل، اعتبار الدولة غنيمة، وملكًا شخصيًا للوالي. كل هذه المثالب طبعت الدولة في عصورها المختلفة، ثم الانغماس في الملذات بشكل غير مسبوق، حكيت عنه الأساطير، خاصة لبعض الولاة في تاريخنا، هذا الترف والسرف، أضاع الدنيا والدين معًا على مر التاريخ، ونحن هنا سنأخذ واحدة من أغنى الدول التي حكمت العالم الإسلامي قبل انهيار الوضع، ونسجل للدولة المملوكية، غناها التجاري الباهر، ونسجل عليها فقر الفلاحين وطبقات الشعب، والحرمان الذي كانوا يعانونه، في هذه الدولة الغنية، والمدى الذي وصلت إليه الأحوال في الشارع المصري من جراء ذلك، والآثار المدمرة التي ستقود إليها بعد ذلك، والتي سيصفها لنا الجبرتي - المؤرخ المشهور- يوم نزل نابليون إلى مصر، ومدى تدهور الحالة الحضارية للمجتمع. ويمكن أن يرجع إلى ذلك في تاريخ الجبرتي.

إنّ أخطر ما في الحالة الاقتصادية المذكورة، أن الغنى والترف، كانا نتاج حدث عارض، وهو أن موقع الدولة في قلب العالم وسرته حتَّم مرور تجارة العالم القديم خلال مصر إلى أوروبا، ولم يكن ذلك ناتجًا عن نشاط المجتمع وحيويته الكلية ومشاركته في الدفع الاقتصادي، ولما كان الحدث العارض عارضًا، فزاوله محتوم، وقد حدث ذلك باكتشاف طريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت