فهرس الكتاب
المدينة من شيوخ المهاجرين والأنصار وزعمائهم وأهل الحل والعقد منهم. فلا بد أن يكون كل ذلك لأمر ما عظيم، أكثر من هذه الظواهر التي يتصورها الناس. فهل نجد حلا لهذه المشاكل تطمئن إليه النفس ... - لم يصح عندنا تفسير لمشاكل هذا الحادث إلا بأن نقول إنه"ص"أراد: (أولا) - أن يهيئ المسلمين لقبول"قاعدة الكفاية"في ولاية أمورهم، من ناحية، عملية، فليست الشهرة ولا تقدم العمر هما الأساس لاستحقاق الإمارة والولاية ... أفلا يثبت لنا أن قضية أسامة كانت لقبول الناس إمارة علي على صغر سنه يومئذ بالقياس إلى وجوه المسلمين وكان إذ ذاك لا يتجاوز الثلاثين؟ وهذا ما يفسر به المشكل الأول والثاني أن يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية أن يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه لها في الخلافة. وقد ثبت عنه إنه كان يتوجس خيفة على أهل بيته ولا سيما على علي، فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده. ولذا نراه اوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول إلى الرئاسة، ولم يدخل فيه عليا ولا أحدا ممن يميل إليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة ووافقوه على ترك البيعة لأبي بكر، فلم يذكر واحد منهم في البعث .. وهذا ما يفسر تباطؤ القوم عن البعث وعرقلتهم له بخلق الإشاعات في المعسكر عن وفاة الرسول، مع إصراره"ص"؟ ذلك الاصرار العظيم. ولم يمكنهم أن يصرحوا بما في نفوسهم، فاعتذروا بصغر قائدهم، وفي هذا كل معنى التهجين لرأي النبي وعصيان أمره الصريح. فكان الغرض إخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر له، بعد أن اتضح للنبي أن التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم .. فقدر أن القوم إذا ذهبوا في بعثهم هذا يرجعون وقد تم كل شئ لخليفته المنصوب من قبله، فليس يسعهم إلا أن ينضووا حينئذ تحت جماعة المسلمين ورايتهم. ثالثا- أن يقلل من نزوع المتوثبين للخلافة .. وزبدة المخض أن بعث أسامة لا يصح أن يفسر إلا بأنه تدبير لإتمام أمر علي بن أبي طالب بمقتضى الظروف المحيطة به من تقدم النص على علي وقرب أجل النبي"ص"؟ وعلمه بأن هناك من لا يروق له ولاية ابن عمه ... ولو أن القوم كانوا قد امتثلوا الأمر لأصابوا خيرا كثيرا ولتبدل سير التأريخ ومجرى الحوادث تبدلا قد لا يحيط به حتى الخيال"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون"ولما وقع ما وقع بعد ذلك من خلاف بين المسلمين وتطاحن وحروب دموية أنهكت قوى الإسلام وأضعفت روحية الدين حتى انفصمت عرى الجامعة الإسلامية سريعا وانتهكت حرمات الأحكام الدينية، فعاد الإسلام كما نشاهد اليوم غريبا كما