فهرس الكتاب
فانا لا نسلم امتناع التواطئ، بل الحق جوازه، فان العقل لا يستبعد أن يكون هذه القاعدة مما وضعه المنافقون الذين أرادوا في العقبة قتل النبي صلى الله عليه وآله، وحالوا بينه وبين أن يكتب للناس وصية يرتفع بها عنهم الضلال، ونسبوه إلى الهجر والهذيان، وقالوا: حسبنا كتاب الله، ثم شبهوا على الناس بالشبهات، كآية من يشاقق الله وأمثالها، فتبعهم في القاعدة ضعفاء الصحابة وسفهائهم، وسكت عنهم العلماء وأولوا الآراء، طمعا ورغبة وخوفا وتقية [1] .
ومما يرتفع به التعجب والاستبعاد في اتفاق أكثر الصحابة على ترك العمل بالنص مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وآله في حياته في زمن الشدة وزمن الرخاء. أما في الشدة، فإنهم فارقوه وخذلوه واختاروا أنفسهم عليه في غزوة أحد وحنين وخيبر، وقد تضمن الكتاب بعض ذلك ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ونقل أنهم كانوا في تلك الحال نحو عشر آلاف، فلم يتخلف منهم الا أقل من عشرة أنفس، وروي سبع أنفس، وهم: علي بن أبي طالب عليه السلام، والعباس، والفضل بن العباس، وربيعة، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وعبيدة بن أم أيمن. وأما مخالفة أصحابه له في الرخاء والأمن، فقد تضمن الكتاب ذلك وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ونقل أنهم إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا الصلاة معه، ولم يلتفتوا إلى حرمة ربهم ولا حرمة نبيهم ولا صلاتهم، وباعوا ذلك كله بمشاهدة تجارتهم، أو طمع في مكسب منها، فكيف يستبعد من هؤلاء أن يخالفوا نبيهم بعد وفاته في طلب الملك والخلافة. وأيضا من مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وآله في حال الرخاء، أنهم خالفوه في مرض موته وآخر أيام عمره، حيث أراد منهم أن يأتوه بدواة ولوح ليكتب لهم ما يبعدهم عن الضلالة، فحالوا بينه وبين مراده، ونسبه الثاني من خلفاء المخالف إلى الهجر والهذيان، وقال: حسبنا كتاب الله. ومما يرفع التعجب في مخالفة أكثر الصحابة لقول النبي صلى الله عليه وآله وتركهم النص الجلي ومما يرفع أيضا التعجب في اتفاق أكثر الصحابة على مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وتخلفهم عن أمير المؤمنين عليه السلام انا نلاحظ حال أهل زماننا، فنراهم غافلين