فهرس الكتاب
جاهلين، مائلين إلى الدنيا والى أهلها، راغبين عن الآخرة وأهلها الا قليلا نادرا، فنعلم أن حال أهل كل زمان كحال أهل زماننا، فلا نتعجب حينئذ في ترك أكثر أهل زمن النبي صلى الله عليه وآله بيعة علي سيد العقلاء والزهاد الذي طلق الدنيا ثلاثا، وكان يزهدهم في الدنيا، ويرغبهم إلى الآخرة، ويلومهم في حب حبيبتهم الغدارة، ويأمرهم أن يقنعوا بالقليل، وأن لا يطلبوا فوق الكفاف، ويحثهم على ترك العادات والشهوات، ويحذرهم عن التلهي والفاكهات، إذ لا مشابهة بينه عليه السلام وبين هؤلاء من أرباب الجهالات، بل كانوا أشباه أبي بكر وأمثاله، فبايعوه وانقادوا له. وأما القليلون الذين كانوا أشباه علي أمير المؤمنين عليه السلام، كسلمان وأبي ذر ومقداد وعمار، وصلحاء بني هاشم، فبايعوه وأطاعوه، وداروا معه حيث دار، وكانوا مظلومين مغضوبين مقهورين مخذولين، ولكن لم يضرهم خذلان الخاذلين. ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اتفاق أولاد يعقوب عليه السلام مع طهارة مولدهم وتولدهم في الاسلام وتربيتهم في حجر نبي الله، على قتل أخيهم الصغير يوسف الصديق، مع كمال حسنه وجماله، حسدا عليه، فما التعجب في اتفاق أكثر أولاد المشركين الذين قست قلوبهم بعبادة الأصنام، وشرب الخمور، وقتل النفوس، وقطع الرحم، وارتكاب سائر الكبائر الموبقة والعظائم المهلكة، على بيعة أبي بكرحسدا وبغضا، لأن عليا عليه السلام كان قاتلا لابائهم وأبنائهم وقراباتهم، وطمعا في الوصول إلى شهواتهم ومراداتهم، كانوا يعرفون أن عليا عليه السلام يحول بينهم وبين ما يريدون من اللذات القبيحة. ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اتفاق أهل العقبة على قتل سيد المرسلين، فإذا أمكن اتفاق هؤلاء على مثل هذا الأمر الخطير، لم لا يمكن اتفاقهم على غصب الخلافة؟ ومما يرفع أيضا هذا التعجب، اتفاق الناكثين والقاسطين والمارقين مع كثرتهم على محاربة خليفة سيد المرسلين، مع ظهور الحجج والبراهين على إمامته، وفرض طاعته، ووجوب مودته [1] .
فان قيل: اثبات الخلافة بالبيعة والاختيار لو لم يكن حقا لأنكر على المبايعين الصحابة. قلنا: لا كل الصحابة تركوا الانكار، بل أنكر عليهم جماعة، ثم سكتوا تقية وخوفا، وترك جماعة منهم الانكار لورود الشبهة، وجماعة طمعا في الدنيا ورغبة إليها [2] .