فهرس الكتاب
له الشهادةُ وهي أعلى المنازلِ وأفضلُها، وصاحبُ الإيمانِ الصادقُِ لا يحزنُ إذا قُتِلَ من يُحِبُّ في سبيلِ الله لأن هذه منزلةً عاليةً جدًا، وكلُّ من يُحِبُّ يرغَبُ أن تكونَ تلكَ المنزلةُ لحبِيبِه، فتقول له (فإن كان في الجنة صبرت) ، أي: تصبَّرْتُ واحتَسَبْتُ ذلك عندَ الله عزَّ وجلَّ، وإن كان غيرَ ذلك، يعني: ليس له هذا الأجرُ ولا يُكتَبُ له الشهادةُ (اجتهدت عليه في البكاء) يعني: ليس هناك ما يُسَلِّيها ويُواسِيها في هذا المُصابِ فتطلقُ لنفسِها العنانَ فتَبْكيهِ، وبعضُ أهلِ العلمِ حَمَلَ ذلك على النياحةِ وقالوا: إن ذلك كان قبلَ تحريمِ النياحةِ. وفي المسألةِ نظرٌ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عندما بايعَ المؤمناتِ بايَعْهُنَّ في أوَّلِ الهجرةِ عندما قَدِمَ المدينةَ وكان فيما بايعهن عليه (ولا يَعْصِينَكَ في معروفٍ) ومن ذلك عدمُ النياحةِ. فالمرادُ هنا واللهُ أعلمُ البكاءُ الجائزُ الذي رَخَّصَ فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فإنه ذَكَرَ أن اللهَ لا يُعَذِّبُ بدمعِ العينِ ولكن يعذبُ بهذا وأشار إلى لسانِه عليه الصلاة والسلام.
فبشرَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بمنزلةِ حارثةَ وقال لها:"يا أمَّ حارثةَ! إنها جنانٌ في الجنةِ"، ليستَ جنةً واحدةً، وإنما الجنةُ جنانٌ متعددةٌ تتفاوتُ في منازِلِها، وقد ذكرْنا في لقاءٍ سابقٍ أن للشهداءِ عندَ الله مائةٍ درجةٍ في الجنةِ وأنَّ أعلى هذه الدرجاتِ الفردوسَ، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أكْمَلَ بُشْراهُ لها وقال:"وإنَّ ابْنَكَ أصابَ الفردوسَ الأعلى"يعني: وَصَلَ إلى أعلَى درجاتِ الجنةِ التي تُكْتَبُ لأفْضَلِ الشُّهداءِ وكان حارثةُ منهم، وفي ذلكَ دليلٌ على أنَّ من أصابَهُ سهمٌ غَرْبٌ وكان خرجَ إلى معركةٍ من المعارِكِ فإنما يُكتَبُ له أجرُ الشهيدِ، ومن ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ كمن قَتَلَه العدُوُّ، والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب من قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا.
27 ـ حدثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدثنا شعبةُ، عن عمروٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - رضي الله عنه - فقال: الرجُلُ يقاتِلُ للمغنَمِ، والرجلُ يقاتِلُ للذِّكْرِ، والرجلُ يقاتل ليُرى مكانَه، فمنْ في سبيلِ الله؟ قال:"من قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا فهو في سبيلِ الله".
هذا الحديثُ العظيمُ الذي ذكرَه الإمامُ البخاريُّ رحمه الله من أهمِّ الأحاديثِ التي في بابِ الجهادِ، فإنه كما ذكرْنا أهمُّ شيءٍ في العملِ الإخلاصُ؛ فإذا فُقِدَ الإخلاصُ فالعملُ مردودٌ على صاحبِهِ. واللهُ - عز وجل - لا يَقْبَلُ من العملِ إلا ما كان خالِصًا لوجْهِهِ.
والجهادُ فيه بذْلُ النفسِ والنفيسِ، وفيه بذلُ الإنسانِ روحَه ودمَهُ، فلا بُدَّ أن يَنْتَبِهَ للغَرَضِ الذي يَبْذُلُ فيه مهجَتَه. ولذا قال الإمامُ البخاريُّ (باب من قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا) يعني: أن الذي يفعلُ ذلك هو المجاهِدُ الحقُّ الذي يُجاهِدُ في سبيلِ الله - عز وجل -.