فهرس الكتاب
ثم ذَكَرَ فيه حديثَ أبي موسى - رضي الله عنه - وفيه (أن رجلًا جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فسأَلَهُ عن أصنافِ توجَدُ في ساحةِ القتالِ؛ الكلُّ يقاتِلُ ولكن هناكَ اختلافٌ في النوايا التي تكونُ في صدورِ العبادِ، فمن الناسِ من يقاتِلُ للمَغْنَمِ أي إنما جاءَ حِرْصًا على الغنيمةٍ، فَهَمُّهُ أن يُحَصِّلَ المغانِمَ التي تترتبُ على هذا القتال. وصِنْفٌ يقاتِلُ حتى يذكرَه الناسُ بأنه شُجاعٌ ومُجاهِدٌ ولا يَهابُ الحربَ ونحو ذلك. وهناك رجلٌ يقاتل ليُرى مكانَه، يعني: أن يقاتِل رياءً فهو يريدُ الذكرَ أيضًا فهو مشابِهٌ لما قبلَه. وجاء في بعضِ الرواياتِ(الذي يقاتِلُ حَمِيَّةً) وجاء في بعضها (الذي يقاتِل غضبًا) . فالذي يقاتلُ حميةً إنما يقاتِلُ لأنَّ قومَه يقاتلون، فإذا وجد قومَه يقاتِلون قومًا قاتَلَ معهم، لا يدري على أي شيءٍ يقاتِلُ وليستْ له نية بهذا القتالِ إلا نصرةَ قومَهُ. وهناك من يقاتِلُ غَضَبًا، أي: شَعَرَ بالغضبِ فكان ردَّ الفعلِ الانتقامُ فقط بغيرِ نيَّةٍ صالحةٍ في قتالِهِ وإنما مُجَرَّدُ تأثُّرٍ بهذا الغضبِ الذي ألَمَّ به.
فهذه الأمورُ سألَ عنها هذا الرجلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فكانَ ردُّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كلامًا جامعًا مانعًا فلم يَقُلْ له (هؤلاءِ ليسوا في سبيلِ الله) وذلك لأن بعضَ ما ذُكِرَ قد يدخُلُ في القتالِ في سبيلِ الله - عز وجل -؛ فقد يغضبُ الرجلُ للهِ - عز وجل - فيكونُ غضبَه في سبيلِ الله ولأجلِ إعلاءِ كلمةِ الله فيكونُ قتالُه في سبيلِ الله فلا يُذَمُّ في قتالِهِ غَضَبًا. كذلك قد يقاتِلُ الرجلُ حميَّةً ولكن حميةً لدينِ الله ولأعراضِ المسلمينَ ولانتهاكِ أراضيهِم، فقتالُه في هذه الحالِ يكونُ في سبيلِ الله. فكان جوابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن قالَ الحديثَ السابقَ. ثم إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لو قال له: ليس قتالُ هؤلاءِ في سبيلِ الله لظنَّ الناسُ أن غيرَ هؤلاءِ كلَّهم قتالُهم يكونُ في سبيلِ الله، فكان جوابُه - صلى الله عليه وسلم - من جوامعِ الكلم، فيه من البلاغةِ والإيجازِ ما فيه.
ـ مسألة: إذا قاتَلَ الشخصُ وهو يريدُ إعلاءَ كلمةِ الله وفي نفسِ الوقتِ في نيتِه أن يُحَصِّلَ المغنمَ الذي يترتبُ على هذا الجهادِ، فهل هو في سبيلِ الله؟ وهل يُكتَبُ له الأجرُ؟
هذه المسألةُ تنقَسِمُ إلى خمسةِ أقسامٍ:
إما أنْ يقاتِلَ في سبيلِ الأمرَيْنِ معًا على حدٍّ سواءٍ.
وإما أن يَقْصِدَ واحدًا منهما ويحصلَ له الآخرُ ضِمنًا من غيرِ قَصْدٍ منه أساسًا.
فالممنوعُ من ذلكِ، أن يقصُدَ غيرَ إعلاءِ كلمةِ الله، يعني يريدُ المغنمَ أساسًا، فهذا محذورٌ حتى وإن حَصَلَ إعلاءٌ لكلمةِ الله ضِمنًا.
وإما أن يقصِدَهما معًا على حدٍّ سواءٍ، فهذا ممنوعٌ أيضًا. وقد جاء في الحديثِ أن رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا رسولَ الله! أرأيتَ رجلًا غزا يلتمسُ الأجرَ والذكرَ ما لَهُ؟ قال:"لا"