فهرس الكتاب
شيءَ له"، فأعادَ عليه ذلكَ ثلاثَ مراتٍ وفي كلِّ مرة يقول:"لا شيءَ له"، ثم قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"إن اللهَ لا يَقْبَلُ مِنَ العملِ إلا ما كانَ له خالِصًا وابتُغِي به وجهَه"."
فالذي دلَّ عليه هذا الحديثُ الذي قَصَدَ الأمرين معًا.
إذا ً، ما هو المطلوبُ والذي يكونُ في سبيلِ الله؟
المطلوبُ والذي يكونُ في سبيلِ الله أن يقصِدَ إعلاءَ كلمةِ الله - عز وجل - أساسًا سواءٌ أصابَ مغنَمًا أم لمْ يُصِبْ. فإن حصلَ له إصابةُ المغنَمِ فهذا خيرٌ ونعمةٌ، وإن لم يحصلْ له إصابةُ المغنَمِ فإنما قَصَدَ إعلاءَ كلمةِ الله.
وهذا الذي يَدُلُّ عليه فعلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عندما حَثَّ أصحابَه على الاجتهادِ في القتالِ للمغنَمِ والسَّلَبِ، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُشَجِّعُ أصحابَه ويحثُّهم على الجهادِ في سبيلِ الله بِجَعْلِ سَلَبِ كلِّ قتيلٍ لقاتِلِهِ، فكان يقولُ لهم:"من قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبُه"، وكان يُنَفِّلُ أصحابَه أنفالًا حتى يشجعَهم على الاجتهادِ في القتالِ.
فأصلُ خروجِ الصحابةِ رضي الله عنهم مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هو إعلاءُ كلمةِ الله، والمغنمُ يأتي تَبَعًا لذلك.
هذا هو الوجهُ الصحيحُ والمطلوبُ والذي يُعتبَرُ في سبيلِ الله جلَّ وعَلا.
تأتي نقطةٌ وهي: مسألةُ القتالِ تحتَ رايَةٍ عُمِّيَّة أو عِمِّيَّة (هكذا يقال عمية أو عمية) ، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقولُ:"مَنْ قاتَلَ تحتَ رايةٍ عُمِّيَّة فمِيتَتُه ميتةٌ جاهليةٌ". والمرادُ بالرايةِ العميةِ القتالُ لأجلِ الحَمِيَّةِ هذا النوعُ الذي ذكرناه في هذا الحديثِ، فليس المرادُ كما يَفهَمُ البعضُ قيادةَ الجيشِ كما هو الحالُ في العراقِ الآن، وكما تكلمنا في ذلك عدةَ مراتٍ؛ إذا كان القائدُ أو السلطةُ بيدِ رجلٍ فاجرٍ ليسَ على دينِ الله - عز وجل - إما فِسْقًا وإما كُفْرًا. فالمقصودُ أن رايتَه ليستْ لإعلاءِ كلمةِ الله، ولكنَّ الذي يقاتِلُ إنما يقاتِلُ في حالٍ يكونُ فيها القتالُ مشروعًا؛ إما نيتُه لإعلاءِ كلمةِ الله، وإما أن تكونَ نيتُه ليستْ مشروعةً فيكون قتالُه حميةً. فالنظرُ إلى ذاتِ الشخصِ وليس إلى القائدِ.
وقد كان في صفوفِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو خيرُ القادةِ وإمامُ المتقينَ من كان يقاتِلُ لغيرِ الله - عز وجل -، فلا يُعتبَرُ الذي قاتَلَ في صفِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يريدُ وجهَ الله، لا يعتبَرُ مقاتِلًا في سبيلِ الله - عز وجل -، وإنما يحاسَبُ بغضِّ النظرِ عن هذه الرايةِ الصالحةِ النبويةِ. وكذلك الذي يقاتلُ تحتَ رايةٍ فاسدةٍ ولكن قتالُه لأجلِ إعلاءِ كلمةِ الله ولأمرٍ مشروعٍ، فلا عبرةَ بهذه الرايةِ التي بِيَدِ زَعِيمِهِ، وإنما العبرةُ بنيتِه.
فهذه نقطةٌ مهمةٌ لا بُدَّ من الانتباهِ لها في هذه الظروفِ التي نَمُرُّ بها، والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله: