فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 160

بابُ من اغبَرَّتْ قدماهُ في سبيلِ الله.

وقولُ الله - عز وجل:

28 ـ حدثنا إسحاقُ، أخبرنا محمدُ بنُ المبارَكِ، حدثنا يحيى بنُ حمزةَ قال: حدثني يزيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا عبايةُ بنُ رفاعةَ بنِ رافعِ بنِ خُدَيجٍ قال: أخبرني أبو عبسٍ هو عبدُ الرحمنِ بنُ جَبْرٍ أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما اغْبَرَّتا قدما عبدِ في سبيلِ الله فتمَسَّه النارُ".

هذا الحديثُ أيضًا يستكملُ فضلَ الجهادِ في سبيلِ الله وما للمجاهِدِ، ويتحدثُ عن جزئيةٍ من العملِ الذي يعملُه المجاهدُ، وهي أمرٌ قليلٌ جدًا ومع ذلك فالأجرُ الذي عليها أجرٌ عظيمٌ جدًا، وهي اغبرارُ القدمِ في المَسيرِ في سبيلِ الله.

فيقول (باب من اغبرت قدماه في سبيل الله) يعني: أجرَه وفضلَه.

وذكر فيه قولَ الله - عز وجل - ... إلى قوله ... والشاهدُ في هذه الآيةِ ما جاء في وسَطِها من قوله تعالى: ... فقوله (ولا يطؤون موطئًا) هذا هو معنى اغبرارِ القدمِ في سبيلِ الله، لأن وطئَ القدمِ على الأرضِ يتسببُ في حدوثِ الغبارِ عليها، وهذا هو المرادُ من الباب.

ثم ذكر حديثَ عبدِ الرحمنِ بن جَبْرٍ - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما اغبرتا قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار"، وفي ذلك تحريمُ النارِ على المجاهدِ الذي خرج في سبيلِ الله حتى وإن لمْ يقاتِلْ بلْ لمجرَّدِ اغبرارِ قدمِه في سبيلِِ الله، فقد يخرجُ المجاهدونَ ولا يَلْقَونَ كيدًا كما حدثَ ذلك كثيرًا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فتعودُ السريةُ أو يعودُ الغزاةُ ولم يقاتِلوا، فمسيرُهُم هذا الذي اغبرَّتْ فيه أقدامُهم في سبيلِ الله يؤجَرون عليه أن النارَ لا تمسُّهم يومَ القيامة.

وهنا في قوله (ما اغبرتا قدما عبدٍ) هذا خلافُ الأصلِ في اللغة؛ فالأصلُ أن يُقالَ (ما اغبرتْ قدما عبدٍ) لأن الفاعلَ موجودٌ وهو (قدما) . ولكنْ هذه لغةٌ عندَ العربِ قليلةٌ يسمونَها لغةَ (أكلوني البراغيثُ) ، وقد جاءتْ بها بعضُ الأحاديثِ كما في قوله - صلى الله عليه وسلم:"يتعاقَبونَ فيكم ملائكةٌ"، فالأصلُ أن يقالَ (يتعاقب فيكم ملائكة) ، وهكذا هنا في حديثِنا، وقد جاءتْ في بعضِ الرواياتِ على اللغةِ المشهورةِ من غيرِ إثباتِ ألفِ الفاعلَين.

هناك أيضًا من الآثارِ ما يتعلقُ بذلك، فكما تعلمون عندما سارَ أبو بكر - رضي الله عنه - يودِّعَ بعثَ أسامةَ؛ فكان يمشي وأسامةُ راكبٌ، فطلب منه أسامةُ أن يركبَ فقال: (ما عليَّ أن أُغَبِّرَ قدماي في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت