فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 160

سبيلِ الله)، فالصحابةُ رضي الله عنهم كانوا أكثرَ الناسِ امتثالًا لأوامرِ الله ورسولِه وتعظيمًا لشعائرِ الله ولدينِ الله وتطبيقًا لتوجيهاتِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان أبو بكرٍ وهو من هو يحرِصُ على أن يُغَبِّرَ قدميه في سبيلِ الله ليتَحَصَّلَ على هذا الأجرَ العظيمَ.

قال البخاري رحمه الله:

باب مسحِ الغبارِ عن الرأسِ في سبيلِ الله.

29 ـ حدثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الوهّاب، حدثنا خالدٌ عن عكرمةَ أن ابنَ عباسٍ قال له ولعليِّ بنِ عبدِ الله: ائتيا أبا سعيدٍ فاسمعا من حديثِه: فأَتَيَاهُ وهو وأخُوه في حائطٍ لهما يسقيانِه، فلما رآنا جاء فاحتَبى وجلسَ فقال:"كنا ننقُل لبِنَ المسجدِ لَبِنَةً لبنة، وكان عمارُ ينقلُ لبنتين لبنتين، فمر به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ومسحَ عن رأسهِ الغبارَ وقال:"ويحَ عمارٍ تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ، عمارٌ يدعوهم إلى الله ويدعونَه إلى النارِ"."

قال البخاري:

باب الغُسلِ بعد الحربِ والغُبارِ.

30 ـ حدثنا محمدٌ، أخبرنا عبدةُ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها:"أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لما رَجَعَ يومَ الخندَقِ ووَضَعَ السلاحَ واغتَسَلَ، فأتاهُ جبريلُ وقد عَصَبَ رأسَهُ الغبارُ فقال: وضعتَ السلاحَ؟ فوالله ما وضعتُه. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: فأينَ؟ قال: ها هنا ـ وأومأَ إلى بني قريظةَ ـ قالتْ: فخرجَ إليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -".

هذا الحديثُ وهو في بابِ (مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله) يعني: حكمُ ذلك، هل هو جائزٌ أم مكروهٌ؟ لأن البعضَ قد يتوهمُ أن مسحَ الغبارِ وغسلَ الغبارِ عن الجَسَدِ والرأسِ الذي نتجَ في سبيلِ الله فيه كراهةٌ للفضلِ السابقِ الذي ذكرناه؛ أن من اغبرتْ قدماه في سبيلِ الله لم تمسَّه النارُ.

والأجرُ المترَتِّبُ على اغبرارِ القدمينِ أو اغبرارِ الجسدِ والرأسِ ليسَ مستلزِمًا استمراريةَ هذا الغبارِ على الجسد، وقد دفعَ الإمامُ البخاريُّ توهمَ ذلك لأن بعضَ السلفِ كره التنشيفَ بعدَ الوضوءِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثبتَ عنه في السُّنَّةِ أنه أُتِيَ له بمنديلٍ عندما توضأَ فلم يُرِدْهُ، وليس في ذلك دليلٌ على كراهيةِ التنشيفِ، وإنما النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتجْ لهذا المنديلِ، فلو نَشَّفَ المتوضئُ فلا حرجَ عليه، ولكن هناك فرقٌ بينَ الوضوءِ وبين الغبارِ المترتبِ عن الجهادِ في سبيلِ الله؛ لأن الوضوءَ إنما يُرادُ لأجلِ الصلاةِ وهي ـ أي الصلاةُ ـ تابعةٌ للوضوءِ، فبقاءُ أثرِ الوضوءِ له اعتبارُه هنا، أما بالنسبةِ للجهادِ فلا حاجةَ لبقاءِ الغبارِ بعد انتهاءِ الجهادِ لأنَّ الطاعةَ قد انتهتْ والغبارَ ليس مقصودًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت