فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 160

للجهادِ وإنما هو نتيجةٌ عنه، هذا هو الفارقُ. فلو سُلِّم بكراهةِ التنشيفِ لماءِ الوضوءِ فلا كراهةَ في غسلِ ومسحِ الغبارِ عن الرأس.

واستدَلَّ الإمامُ البخاري بهذا الحديثِ وهو الذي رواه عن ابنِ عباسٍ وفيه أن ابنَ عباسٍ - رضي الله عنه - قال لعكرمةَ ولعلي بنِ عبد الله: (ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه) ؛ كان الصحابةُ رضي الله عنهم يحُثُّونَ طلبةَ العلمِ على الذهابِ لأهلِ العلمِ الذين عندهم أحاديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لكي يسمعوها منهم ويستَفِيدوا ويتعلَّموا، فحثَّ ابنُ عباسٍ وهو حبرُ الأمة، مولاه عكرمةَ وعليَّ بنَ عبدِ الله بنِ العباسِ أن يذهبا إلى أبي سعيد الخدري ليسمعا من حديثه، فذهبا إلى أبي سعيد وهو في حائطٍ له، يعني: في مزرعةٍ له ومعه أخوه يسقيانِ هذه المزرعةَ، فلما رآهما أبو سعيدٍ رحَّبَ بهما لمنزلتِهما من العلمِ ومن الفضلِ فجلس معهما (واحتبى) والاحتباءُ هي: جلسةُ القُرفُصاءِ، فبدأ يروي لهما شيئًا من الأحاديثِ التي يحفظُها، فقال لهما (كنا ننقُلُ لبِِنَ المسجدِ لبنة لبنةً) ؛ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرَ ببناءِ مسجده، فكان الصحابةُ ومعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقلون هذا اللبنَ لبناءِ المسجدِ، فكان الناس ينقلون لبِنَةً لبنة، وكان عمارٌ - رضي الله عنه - لأنه رجلٌ قويٌ وشديدٌ ينقُلُ لبنتين لبنتين، فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فسُرَّ باهتمامِه وبعملِه وبفعله، فكان يمسحُ عن رأسِه الغبارَ الذي جاء من أثرِ بناءِ المسجدِ وحملِ اللبِن، وقال وهو يمسحُ هذا الغبارَ عن رأسِه:"ويحَ عمارٍ تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ". (ويح) : كلمةٌ تُقالُ للتَّوَجُّعِ والتألم، وهي في الخير. (تقتله الفئة الباغية) : هذه من علاماتِ النبوةِ ومما أخبرَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الأمورِ الغيبيةِ، فذكر أن عَمّارًا سوف يدخُلُ حربًا بين فِئتينِ؛ فئةٌ منهما تكونُ فئةً باغيةً وفئةٌ أخرى بُغِيَ عليها، فكان ذلك كما أخبرَ عنه - صلى الله عليه وسلم -، وقاتَلَ عمارٌ مع عليٍّ - رضي الله عنه - ضدَّ معاويةَ - رضي الله عنه -، وكانت الفئةُ الباغيةُ هي فئةُ معاويةَ - رضي الله عنه - لأنه كان مخالِفًا لإمامِ المسلمينَ في ذلك الوقتِ وهو عليٌّ - رضي الله عنه -، وكان خلافُه - رضي الله عنه - إنما هو تَأَوُّلًا واجتهادًا منه وظنًا أنه على صواب.

ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"عمارٌ يدعوهُم إلى الله ويدعونَه إلى النارِ"، يعني: عمارٌ يدعوهم إلى طاعةِ الإمامِ وهذا ما أمَرَ به الله - عز وجل -، ويدعونه إلى النار، أي: إلى معصيةِ الإمام، ومعصيةُ الإمام تؤدي إلى النار إن لم يكن الفاعلُ لذلك متأولًا ومجتهدًا وأخطأَ في هذا الاجتهادِ، والله تعالى أعلم.

والشاهدُ في هذا الحديثِ وإن لم يكن له علاقةٌ بالجهاد، ولكنْ بناءُ المسجدِ من الأمورِ التي يُبتغَى بها وجهُ الله، فهي في سبيلِ الله. فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يمسحُ أثرَ الغبارِ الذي نشأَ عن بناءِ المسجدِ عن عمارٍ - رضي الله عنه -، وهذا فيه دليلٌ على أن مسحَ الغبارِ المترتبِ عن الطاعةِ لا حَرَجَ فيه ولا إشكالَ ولا كراهةَ، فكذلك مسحُ الغبارِ الذي يكونُ في الجهادِ في سبيلِ الله لا كراهةَ فيه، هذا هو الشاهدُ، وسيأتي في البابِ القادمِ ما يتعلقُ بذلك والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت