فهرس الكتاب
والتحديثُ بنعمةِ الله، فهناك من يحدِّثُ رياءً وتسميعًا، وهناك من يحدث من باب التشجيعِ للآخرينَ وإثارةِ الشوقِ في نفوسهم إلى الجهادِ في سبيل الله، فهل يُمنَعُ ذلك أم يسمحُ به؟ هذا هو المقصدُ من سَوْقِ هذا البابَ.
(قاله أبو عثمان عن سعد) يعني بأبي عثمان: أبو عثمانَ النهدي، وهو مِنَ المُخَضْرَمِين من التابعينَ، وكان في حياةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُكتَبْ له لقاءُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحدَّث عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ في قوله (إني لأوَّلُ من رَمى بسهمٍ في سبيل الله) ، وسوف يأتي هذا الحديثُ، فإن سعدًا - رضي الله عنه - هو أولُّ مسلمٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله. فهذا دليلٌ على أن من الصحابةِ رضي الله عنهم من كان يُحَدِّثُ بمشاهدِه، فليس في ذلك حرجٌ إذا خلا من الرياءِ والعجبِ. ويتأكد استحبابُ ذلك إذا كان فيه كما قلتُ تشويقًا للآخرينَ إلى الجهادِ في سبيل اللِه وحثًا على ذلك.
ثم ذكر فيه حديثَ السائبِ بن يزيدَ، وهو من الصحابةِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رقاه بالفاتحةِ عندما جاءت به أمه إليه وهو وَقِِعٌ ـ أي: به وجَعٌ من رجلِه ـ فرقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفاتحةِ، فهو من صغارِ الصحابةِ ويروي عن كبارِهم أمثالِ طلحةَ بنِ عُبيد الله وسعدٍ والمقدادٍ بن الأسود وعبدٍ الرحمن بن عوف وهم من كبارِ الصحابة والسابقين.
ثم يقول (صحبت هؤلاء فما رأيت أحدًا منهم يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ؛ هذا من حيطةِ هؤلاءِ الصحابةِ، وكثيرٌ من الصحابة كانوا لا يُحدِّثون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خشيةَ النقصِ أو الزيادةِ، وقد ذكرنا هذا في الدورةِ التي عقدناها في علومِ الحديث وأطلنا في بيان ذلك. والمقصودُ أن الحذَرَ في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - متوجب فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يتكلم بالوحي، والذي يتحدث عنه - صلى الله عليه وسلم - إنما يقرر شرعًا ودينًا ووحيًا، فحذارِ حذارِ من العجلةِ في الحديثِ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَذَّرَ من ذلك فقال:"من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن". فلم يكن يحدث من الصحابةِ إلا الحفاظُ منهم الذين يَثِقُون فيما يروُونَ ويتأكدون مما يسمعون، وكثيرٌ منهم كان إذا حدثَ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تصيبُه حالةٌ من رعدةٍ وخوفٍ، وبعضُهم يقول (أو نحو هذا، أو مثل هذا) وهذا من حرصِهم واحتياطِهم.
ثم يقول (إلا أني سمعت طلحةَ يحدثُ عن يومِ أحد) ؛ وطلحةُ بنُ عبيدِ الله حدثه بما حصلَ معه يوم أحد، فقد ظاهَرَ طلحةُ - رضي الله عنه - بينَ دِرْعَيْنِ من شدةِ القتالِ وهذا مِنْ بأسِهِ في هذه الحربِ، وكان يقي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حتى ذُكِرَ أن يَدَهُ شُلَّتْ لأنه وَقَى بها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وجاء في بعضِ الرواياتِ أنه حَمَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فمشاهدُ طلحةَ - رضي الله عنه - وهو من العَشَرَةِ المبشرينَ بالجنةِ كثيرةٌ، فكان رضي الله عنه يحدِّثُ أحيانًا ببعضِ مشاهدِه حثًا وتشويقًا كما ذكرتُ، وهذا هو الشاهدُ من سَوْقِ الحديثِ في هذا الباب، والله تعالى أعلم.