ثم إنَّ مُضَيِّعَ الصلاةِ المفروضةِ الأرجحُ فيه أنه كافرٌ، فهو لما سواها أضيعُ ولا عبرةَ بجهادِه وهو قدْ خرج من الإسلامِ، وكذلك إذا ضَيَّعَ بِرَّ والديْه مع وُقوعِ حَقِّهما عليه كان لغيرهما أقلَّ بِرًا.
لأجلِ ذلك قدم الصلاةَ ثم برَّ الوالدينِ لأن الذي يجاهدُ إنما يدفعُ عن بيضةِ الإسلامِ وعن إخوانِهِ المسلمينَ، فإذا كان عاقًا لوالديه كيف يكون بارًا بغيرهما؟! والله تعالى أعلم.
وأما حديثُ ابنِ عباسٍ - رضي الله عنه - وهو"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"، أي: لا هجرةَ من مكةَ إلى المدينةِ بعد فتحِ مكةَ لأن المهاجرينَ كانوا يهاجرونَ من مكةَ إلى المدينةِ لأنها دارُ كفرٍ وهم فيها مضطهَدون. أما وقد فُتحت وصارت دارَ إسلامٍ فلا هجرةَ بعد ذلك من مكةَ إلى المدينةِ.
(ولكن جهادٌ ونيةٌ) أي: الذي بَقِيَ الجهادُ والنيةُ الصالحةُ المرتبطةُ به. (وإذا استنفرتم فانفروا) أي: إذا استنفرَ الإمامُ المسلمينَ وَجَبَ النفيرُ على كلِّ من استَنْفرَهُ الإمامُ، والله تعالى أعلم.
وأما حديثُ عائشةَ ففيه إقرارٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - لقولِها (نرى الجهاد أفضل العمل) ولم يقل لها: بل هناك ما هو أفضلُ منه، ولكنه قال:"لكن أفضل الجهاد؛ حج مبرور"، لأن الجهادَ لا يجبُ على المرأةِ والمقصودُ جهادُ الطلبِ كما قلتُ، وليس هناكَ علاقةٌ بجهادِ الدفعِ في هذا الحديث. فالجهادُ بالنسبةِ للمرأةِ يسقُطُ عنها في حال جهادِ الطلب، وأما جهادُ الدفعِ فهو واجبٌ كما قلتُ على الرجُلِ والمرأةِ والحرِّ والعبدِ والكبيرِ والصغيرِ. والحجُّ المبرورُ هو جهادُ كلِّ ضعيفٍ لأن فيه مشقةً وفيه مغالبةً وفيه مزاحمةً، ولأجل هذا عُبِّرَ عنه بالجهادِ. والله تعالى أعلم.
وأما حديثُ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - وفيه أن رجلًا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال:"لا أجده"، أي: لا أجدُ عملًا يعدلُ الجهادَ، أي: يقومُ مقامَه في الأجرِ والمثوبةِ. ثم قال له:"هل تستطيع إذا خرج المجاهدُ"، أي: إلى جهاده وغزوه."أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر"؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟
إذًا، الجهاُد يعدلُ القائمَ الذي لا يفترُ أي: لا يتعبُ ولا يَكَلُّ، والصائمَ الذي لا يفطرُ، أي: الذي يستمر في صومِه فلا يفطرُ أبدًا، وهذا لا يستطيعُه أحدٌ، ولأجلِ هذا كان الجهادُ أفضلَ العملِ إطلاقًا.
ـ إشكالات: