فهرس الكتاب
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [1] .
إن العاصي المجرم إذا أراد أن يكذب على نفسه كما تعود في الدنيا أن يكذب على عباد الله، فإنه يوم القيامة يغلق الفم ولا ينطق اللسان؛ وإنما الكلام يومئذ لبقية الجوارح والأعضاء التي كانت صامتة في الدنيا، أما اللسان الذي كان لا يتحرك بذكر الله، وإنما كانت حركته بالفاحش من القول؛ فإنه ليس له دور يذكر يوم القيامة.
157 -فَيَا ليْتَ شعْري كَيْفَ حَالكَ عنْدَمَا
تَطايَرُ كُتْبُ العَالمينَ وَتُقْسَمُ
158 -أتَأخُذُ باليُمْنَى كتَابَكَ أمْ تَكُنْ
بالأخْرَى وَرَاءَ الظَّهْر منْكَ تُسَلمُ
تمنٍّ ممزوج بإشفاق على هيئة استفسار عن حالك أيها العبد؛ يوم القيامة عندما تتطاير الكتب يوم العرض الأكبر وتوزع عليهم. هل أنت ممن عمل في الدنيا بطاعة الله سبحانه، واقتفى أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ووحد الله وأخلص له في كل شيء؟ فهذا سوف يأخذ كتابه بيمينه، ويكون فرحه هو الفرح الحقيقي الذي لا يوصف، بل ينادي على رءوس الأشهاد: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [2] .
أما الفريق الآخر الذي لم يرفع لهذا الأمر رأسًا، بل كان همه أن يأكل ويتمتع وينام مثل البهائم، بل هو أضل؛ لأن البهائم خلقت لهذا، وهو خلق لشيء أعظم فضيعه. فهذا يُعطى كتابه بشماله من وراء ظهره؛ زيادة له في الإهانة والتنكيل: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} [3] .
ويقول سبحانه عن أولئك يوم القيامة: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ
(1) سورة يس: 65.
(2) سورة الحاقة: 19.
(3) سورة الانشقاق: 10 - 11.