ولأبي يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وخرج معه نساؤه، وكان مَتاعي فيه خف، وهو على جمل ناج، وكان متاع صفية في ثِقل، وهو على جمل ثِفال بَطيء، يَتبطأ بالركب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حوِّلوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة، حتى يمضي الركب» [1] الحديث.
وينبغي أن لا يجمع بين ركوبه ومتاعه في الحمل، إلا إن كانت الدابة المركوبة محتملة للحمل عليها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال -كما سيأتي [2] : (اركبوها سالمة، وايْتَدِعوها سالمة) ، قاله ابن خزيمة، قال: وكذلك في خبر سهل بن الحنظلية -يعني: الماضي [3] : (اركبوها صالحة، وكلوها صالحة) ، قال: فإذا كان الأغلب من الدواب المركوبة أنها إذا حُمل عليها في السير عطبت، لم يكن لراكبها الحمل عليها، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد اشترط أن تُركب سالمة، ويُشبه أن يكون معنى قوله: (اركبوها سالمة) أي: ركوبًا تسلم منه ولا تعطب.
وفي «سنن أبي داود» من حديث حمزة الضَّبّيّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا إذا نزلنا منزلًا لا نسبّح حتى نحُل الرِّحال» [4] ، يريد بذلك: لا نصلي سُبحة حتى نحط الرحال، ونُجمَّ المطي.
وكان بعض العلماء يستحب إذا نزل منزلًا أن لا يَطعَم حتى يعلف الدابة، ولا يقصِّر في سقيها، فقد صح أنهم قالوا: «يا رسول الله، وإنَّ لنا في البَهائم لأجرًا؟» قال: (في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطبةٍ أجْرٌ) [5] .
(1) أخرجه أبو يعلى: 4670، وقال الهيثمي في «المجمع» : 4/ 325، بعد أن عزاه له: «وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس» . وسلمة بن الفضل، وقد وثقه جماعة: ابن معين، وابن حبان، وأبو حاتم، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقد رواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب «الأمثال» : 56، وليس فيه غير أسامة بن زيد الليثي، وهو من رجال الصحيح، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات». قلت: وطريق ابن حبان هو طريق أبي يعلى، وإسناده ضعيف. فيه سلمة بن الفضل ضعفه ابن راهويه والنسائي، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وقال عنه ابن حجر في «التقريب» : «صدوق، كثير الخطأ» ، وانظر: «الميزان» : 2/ 192، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن.
(2) صفحة (231) وكلمة «ايتدعوها» تصحفت في المخطوط هنا وهناك «ابتدعوها» بالموحدة وسيأتي التعليق على ذلك في محله.
(3) صفحة (222) .
(4) أخرجه أبو داود: 2551، وصحح شيخنا الألباني إسناده في «المشكاة» : 3917.
(5) أخرجه من حديث أبي هريرة مطولًا، وفيه قصة الذي سقى الكلب من العطش فغفر الله له: البخاري في «الصحيح» : 2363، 2466، 6009، وفي «الأدب المفرد» : 380، ومسلم: 2244، وأبو داود: 2550، ومالك: 2/ 292 - 930، وأحمد: 2/ 375، 517، 521، وابن حبان: 2537، والقضاعي في مسند الشهاب: 113، والبيهقي في «السنن» : 4/ 185 و8/ 14، وفي «الآداب» : 46، والبغوي في «شرح السنة» : 384.