الصفحة 9 من 43

وقد رُوِّينا في تاسع عشر «المجالسة» من طريق شعيب بن حرب قال: «لما خرجت إلى يوسف بن أسباط اكتريتُ حمارًا، فركبته، فجعل لا يمشي كما أريد، فقال لي المكاري، حرِّك رجليك يمشي، فقلت له: ما كنت لأحمله على أكثر من طاقته» .

ويُعلم ذلك بقرائن منها -كما نُقل عن بعض الأئمة- أنه يشار إليها من مكان بعيد بالعلف ونحوه، فإن قصَدته فجائز له حملها بالضرب، لتصل إلى الحد الذي قصدت به العلف. لكن ذلك غير لازم لاحتمال أنها تكلفت في العَدْو إلى العَلف فوق طاقتها، محبَّةً فيه، ورغبةً إلى الوصول إليه، على أنه روي أنه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، لما جهد الناسُ الظهرَ جهدًا شديدًا وشكوا ذلك إليه، ورآهم رجالًا لا يرجون ظهرهم، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضيق ممر الناس، وقد وقف عليه والناس يمرون، فنفخ فيها وقال: (اللهم احمل عليها في سبيلك، فإنك تحمل على القوي والضعيف، والرَّطب واليابس، في البر والبحر) ، فاستمرت. قال راويه رضي الله عنه: «فما دخلنا المدينة إلا وهي تنازعنا أزمتها» [1] . وكأنه صلى الله عليه وسلم عدل عن الضرب إلى الدعاء، للمشقة في استيعابها بالضرب، أو لتتنوع أسباب المعجزة، أو لشدة ضعفها.

ونحوه ما يُروى فيمن ساء خُلقه من الدَّواب والرقيق، أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يُقرأ في أذُنِه [2] : ... {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [3] .فإن علاجها بالضرب حينئذ لا يؤثر في زوال المحذور، بل ربما يكون سببًا لزيادته.

(1) إسناده حسن. أخرجه أحمد في «المسند» : 6/ 20، من طريق عصام بن خالد الحضرمي، وابن حبان في «الصحيح» : 4681 -الإحسان، والفريابي في «دلائل النبوة» : 50، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» : 4/ 132، رقم: 2110 من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد عن فضالة ابن عبيد الأنصاري قال: «غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك ... » فذكره، وأخرجه الطبري في «الكبير» : 18/ 771، و «الدعاء» : 2/ 1191 رقم: 840، والبزار «كشف الأستار» : 1840، من طريق يحيى بن عبيد، والبابلي ضعيف، انظر: «التقريب» : 7585، و «مجمع الزوائد» : 6/ 193، و «السيرة الشامية» : 2/ 2/394، و «الذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك» : 335، 336.

(2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» : 1/ 77، رقم: 64، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» : (4/ 416 -تهذيب ابن بدران) من طريق الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي ثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير أبو خلف عن أنس رفعه. وقال الطبراني عقبه: «لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد» . وقال شيخنا الألباني في «السلسلة الضعيفة» : 676 موضوع. رواه أبو الفضل الهمداني في آخر «مجلس من حديث أبي الشيخ» : 66/ 1، وابن عساكر: 5/ 122/2، عن أبي خلف عن أنس بن مالك مرفوعًا، = = وقال: «قلت: وهذا إسناد موضوع، قال الذهبي: أبو خلف الأعجمي عن أنس كذبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث. قلت: وفيه أيضًا الحكم وشيخه وهما متروكان، واقتصر الهيثمي في «المجمع» : 8/ 25، 26 على إعلاله بمحمد بن عبد الله. وقال شيخنا: «والحديث رواه ابن السني» [رقم: 512] عن المنهال بن عيسى حدثنا يونس بن عبيد قال، فذكره مختصرًا نحوه موقوفًا عليه. ولذلك قال الحافظ: «هو خبر مقطوع، والمنهال قال أبو حاتم: مجهول. وقد وجدته عن ابن عباس، أخرجه الثعلبي (في التفسير) » . ولم يذكر الحافظ إسناده بتمامه لنظر فيه، وقد نقلت كلامه عن «شرح الأذكار» : 5/ 152. انتهى. وقد أوردته كتب التفسير موقوفًا على ابن عباس، مثل القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» : 4/ 128، وغيره.

(3) سورة آل عمران: 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت