الصفحة 25 من 34

الأحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى عليه السلام، ويؤيَّده الحديث المشهور:"اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أفْتَوْكَ".

قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر، لأنه إنكار لما علم من الشرائع، فإن الله قد أجرى سنته، وأنفذ كلمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، المبيِّنين لشرائعه وأحكامه، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} وقال: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به، وحث على طاعتهم، والتمسك بما أمروا به، فإنَّ فيه الهدى، وقد حصل العلم اليقين وإجماع السلف على ذلك، فمن ادعى أن هناك طريقًا أخرى يعرف بها أمرُه ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغني بها عن الرسول فهو كافر، يقتل، ولا يستتاب، قال: وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا، لأن من قال: إنه يأخذ من قلبه لأن الذي يقع فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بمقتضاه، من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة كما قالن نبينا - صلى الله عليه وسلم:"إنّ روحَ القدُسِ نفثَ في رُوعِي"قال: وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر:"آخذ عن قلبي عن ربي"وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع"ونسأ الله الهداية والتوفيق" [1] . انتهى.

فصل

يَا سَالِكًا سُبْلَ الغِوَايَةِ وَالرَّدَى ... مَهْلًا فقدْ أسْرفْتَ في النُّكْرَانِ

ارْجِعء إلى رَبٍّ كَريمٍ غَافرٍ ... لِلذَّنْبِ ذِي فَضْلٍ وَذِي إحْسَانِ

كَمْ مِنْ صَرِيعٍ ماتَ مُلْتَبِسًا بِمَا ... يَنْهَى الإلهُ، وَطَاعَةِ الشَّيْطانِ

مِنْ تَارِكٍ سُنَنَ الزَّوَاجِ وَحِصْنِهِ ... مُسْتَمْسِكينَ بِوَصْمَةِ الأخْدَانِ

أَوْ قَاصِدٍ بُلْدَانَ كُفْرٍ رَاغِبًا ... فيِيمَا لَدَيْهِمْ مِنْ حُطامٍ فَإنِ

أَوْ تَارِكٍ حَتّى الصَّلاةَ وَمَا دَرَوْا ... أنَّ الصلاةَ تَوْأَمُ الإيمَانِ

لَهُمْ فَسَادَ الكُفْرِ بالإيمَان

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 267) طبع المكتبة السلفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت