الصفحة 29 من 34

وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر في قلوبهم التوقف في قبوله، حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وبقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .

وبقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} وأمثالها، فدفعنا ِإلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا وكذا، يقول: مَن قال هذا؟ ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفة الحديث، وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحلُّ له دفع سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجهل" [1] وقد شهد الله سبحانه وتعالى بالعلم لمن يرى أن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند الله هو الحق، لا آراء الرجال، فقال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} ."

وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} .

فمن تعارض عنده ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآراء الرجال، فقدمها عليه أو توقف فيه، أو قدحت في كمال معرفته فهو أعمى عن الحق.

وقد أخبر الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} وأخبر تعالى عنه أنه سراج منير، وأنه هادٍ إلى صراط مستقيم، وبأن من اتبع النور الذي أنزل معه هو المفلح لا غيره، وأن من لم يحكِّمه في كل ما تنازع فيه المتنازعون وينقاد لحكمه، ولا يكون عنده حرج منه، فليس بمؤمن، فكيف يجوز على من أخبر الله تعالى عنه بما ذكر أن يكون قد أخبر عن الله [2] بما يكون الحق في غير ماأخبر به وأنه يجوز لمن يزعم أنه مؤمن به أن يخالفه في القول والعمل؟

(1) إعلام الموقعين (3/ 464، 465) .

(2) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (1/ 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت