الصفحة 33 من 34

وقد اتخذ بعض المحتالين قُببًا جعلوها مصايد لأموال الناس وعقائدهم، فترى الجهلة من العوام يهبون أموالهم ومزارعهم وبساتينهم لهذه القُبب والتكايا التي يديرها هؤلاء المحتالون، ظنًا منهم بأن مَنْ فيها من المقبورين سوف ينجونهم يوم القيامة من عذاب الله، حتى حدا الأمر ببعضهم أنك إذا حلّفته بالله سبحانه وتعالى أو بكتابه أسرع إلى الحلف بهما، وإذا وجهته إلى قبة من تلك القبب، أو قبر من تلك القبور، تلكأ واصفرَّ وجهه وارتعدت فرائصه خوفًا، ثم امتنع عن الحلف به، وأقرَّ على نفسه بما حلف من أجله.

وأكبر من ذلك إذا دعوت بعضًا من أولئك المغفلين إلى المحافظة على واجباتهم الدينية من صلاة وصيام وغير ذلك، أجابك بجواب قد استقر مضمونه في عقله قائلًا: إذا حافظتُ على الواجبات فما هي وظيفة الشيخ إذًا؟!

حيث أُفهم أن شيخه سينحيه دون أن يقدِّم أي عمل لله تعالى.

وترى بعضًا منهم يفح له تكية مدعيًا أن فيها قبرَ وَلِيٍّ من الأولياء، ويصبح سادنًا لها، فتراه بعد بضع من السنين وهو أغنى أهل المنطقة دورًا وبساتين، وأثاثًا، وهو لا يعمل أي عمل غير سدانة التكية، لأن الجهلة المساكين يوقفون عند موتهم ما يملكون من بساتين ويبقون عوائلهم يتضوَّرون جوعًا، ويتكففون الناس، ناسين قوله عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه:"إِنَّك أَنْ تذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاء خَيرٌ مِنْ أن تَذَرَهُمْ عالَةً يتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" [1] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية، أو جبلًا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلِّي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه وتعالى عندها، أو لينسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به، لا عينًا ولا نوعًا."

(1) رواه البخاري (2591) ومسلم (1628) ومالك (2/ 763) والترمذي (975) وأبو داود (2864) والنسائي (6/ 241، 243) وأحمد (1/ 172) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت