فهرس الكتاب
الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجّيه وأنهم أضعفوا في العدد، وكان فرسه قد حفيَ واشتكى في مجيئه من العراق [1] .
"وخرج جَرجَه أحد الأمراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد، أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا كذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاكه فلا تسلّه على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا، قال: فيم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعًا، ثم إن بعضنا صدّقه وتابعه وبعضنا كذّبه وباعده، فكنت فيمن كذّبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا، ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين [2] ، ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا أشد المسلمين على المشركين، فقال جرجة: يا خالد إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل, قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فان لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب، ثم نقاتله, قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا، و وضيعنا، وأولنا، وآخرنا, قال جرجة: فلِمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل مالكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل, قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حيّ بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتاب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية، كان أفضل منا؟ فقال جَرجَة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك وأن الله ولي ما سألت عنه, فعند ذلك قلب جَرجَة الترس ومال مع خالد وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسنّى عليه قِرْبة من ماء ثم صلى به ركعتين" [3] " [4] . انتهى."
و هذه المحاورة من أروع المحاورات التي جرت في الإسلام وهي تمثل طرفي الدعوة:
الداعي إلى الإسلام وهو هنا خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وبين أحد الباحثين عن الحق وهو هنا القائد
(1) نفس المصدر (7/ 10) .
(2) نفس المصدر (7/ 13) .
(3) انظر تاريخ الطبري ج2ص 337, والبداية والنهاية لابن كثير , الجزء السابع , وقعة اليرموك
(4) انظر عصر الخلفاء الراشدين (1) ,أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره ,للدكتور علي محمد الصَّلاَّبي ص 468 - 472.