الصفحة 64 من 97

يخالف رأيك، ولا يقطع أمر دونك، فأنت سيد من سادات المسلمين لا ينكر فضلك، ولا يستغنى عن رأيك، تمّم الله ما بنا وبك من نعمة الإحسان ورحمنا وإياك من عذاب النار, والسلام عليك ورحمة الله [1] ،وكان مع حامل الرسالة، خطابا من خالد موجهًا إلى المسلمين بالشام جاء فيه: ... أما بعد فإني أسأل الله الذي أعزنا بالإسلام وشرفنا بدينه، وأكرمنا بنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفضلنا بالإيمان، رحمة من ربنا لنا واسعة، ونعمة منه علينا سابغة، أن يتم مابنا وبكم من نعمته، واحمدوا الله عباد الله يزدكم، وارغبوا إليه في تمام العافية يُدمْها لكم، وكونوا له على نعمه من الشاكرين, وإن كتاب خليفة رسول الله أتاني يأمرني بالمسير إليكم، وقد شمّرت وانكمشت وكأن خيلي قد أطلَّت عليكم في رجال، فأبشروا بإنجاز موعود الله، وحسن ثوابه عصمنا الله وإياكم بالإيمان، وثبَّتنا وإياكم على الإسلام، ورزقنا وإياكم حسن ثواب المجاهدين والسلام عليكم [2] ،فلما قدم حامل الرسالتين عمرو بن الطفيل بن عمرو الأزدي على المسلمين وقرأ عليهم خطاب خالد بن الوليد وهم بالجابية، دفع إلى أبي عبيدة كتابه، فلما قرأه قال: بارك الله لخليفة رسول الله فيما رأى، وحيا الله خالدًا بالسلام [3] إن هذا التعامل الرفيع بين هذين العظيمين يكشف لنا عن معاني الأخوة، المنبثقة عن التوحيد الصحيح والمحفوفة بسياج الأخلاق الحميدة التي كان يتصف بها صحابة رسول الله، فإن خالدًا لم تتغير نفسه أو يشعر بعلو على إخوانه بسبب فتوحاته في العراق وثقة الخليفة به، بل يعترف بالفضل لأهله، ويعلن طاعته لأبي عبيدة بن الجراح الذي ولي الأمر من بعده، وفي مقابل ذلك نجد أبا عبيدة بن الجراح الذي يبارك هذا الأمر ويحيِّ خالدًا، وهذا يدل على تجرد خالد وأبي عبيدة من حظوظ النفس وإيثارهم لمصلحة الأمة، وإرادتهم وجه الله في أعمالهم [4] ،وفي هذا درس عظيم لأبناء الأمة على مستوى الحكومات، والحركات، والشيوخ والدعاة، والقادة والزعماء في التعامل فيما بينهم عند التعيين أو العزل أو الفصل." [5] "

دروس وعظات وعبر نتعلمها من رسالة الصديق على أبي عبيدة بن الجراح ومن رسالة خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة [6] وإلى جنود المسلمين في بلاد الشام رضي الله عنهم جميعًا:

-إنّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما عزل أبا عبيدة عن قيادة الجيش وولى خالدًا بدلًا عنه, وذلك

(1) نفس المصدر، ص392.

(2) فتوح الشام للأزدي، ص68 - 72 نقلًا عن الحميدي.

(3) نفس المصدر، ص68 - 72.

(4) التاريخ الاسلامي للحميدي (9/ 231) .

(5) انظر عصر الخلفاء الراشدين (1) ,أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره ,للدكتور علي محمد الصَّلاَّبي ص 463 - 466

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت